مسار التنوع البيولوجي بالمغرب

ECO1723 مايو 2025
مسار التنوع البيولوجي بالمغرب
إيمان بنسعيد

يشكل اليوم العالمي للتنوع البيولوجي فرصة لتسليط الضوء على أهمية حماية التنوع البيولوجي الذي يمثل عماد الحياة على كوكب الأرض. فقد أضحت قضية التنوع البيولوجي محورا دوليا بارزا، خصوصا بعد تبني “اتفاقية التنوع البيولوجي” في نيروبي سنة1992، التي دعت الدول الأطراف إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية: الحفظ، الاستخدام المستدام، والتقاسم العادل والمنصف للمنافع الناتجة عن الموارد الجينية.

تأتي هذه الاتفاقية كإطار قانوني دولي يستحث الدول على وضع حد لتناقص عناصر التنوع البيولوجي، من خلال تنظيم الاستغلال والإدارة الحكيمة لمواردها الطبيعية، مع ضرورة ترجمة هذه المبادئ إلى قوانين داخلية تتيح رسم استراتيجيات وطنية ملائمة للنظم الإيكولوجية والأنواع المتواجدة في كل إقليم، مع التأكيد على سلطتها القضائية في حماية مواردها.

التزام المغرب لحماية التنوع البيولوجي

أعرب المغرب، كأحد الدول الأطراف، عن انخراطه الجدي في حماية التنوع البيولوجي، بتوقيعه على الاتفاقية في يونيو 1992 وصادق عليها في غشت 1995، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في شهر نونبر من نفس السنة. واستنادا إلى هذا الالتزام، وضعت الحكومة المغربية استراتيجية وطنية لحماية التنوع البيولوجي شملت دراسات وطنية وتقارير تقييمية دورية، شاركت فيها مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات الوطنية، بهدف ضمان تنسيق الجهود وتعزيز الممارسات المستدامة.

حماية التنوع البيولوجي والفضاءات الطبيعية

تتجلى أهمية التنوع البيولوجي في كونه يشكل شبكة متكاملة من الحياة على الأرض، نتيجة تفاعل وتطور استمر مليارات السنين. يشمل هذا التنوع مستويات مختلفة، من التنوع الوراثي داخل الأنواع، إلى تنوع الأنواع ذاتها، وصولا إلى تنوع النظم الإيكولوجية التي تمثل وحدات بيئية مترابطة. وتعريف اتفاقية التنوع البيولوجي للتنوع البيولوجي يركز على “تباين الكائنات العضوية الحية من كافة المصادر، بما في ذلك النظم الإيكولوجية الأرضية والبحرية والأحياء المائية”.

يؤكد المشرع المغربي، في هذا السياق، على حماية الفضاءات الطبيعية ذات الأهمية الخاصة، عبر إصدار قانون المناطق المحمية الذي يهدف إلى الحفاظ على المواقع الفريدة بيئيا، ومنع أي أنشطة قد تخل بتوازنها الطبيعي. ويشتمل القانون على تدابير للرقابة والتدخل لحماية هذه المناطق من أي تهديدات.

الاستدامة والتحديات في حماية التنوع البيولوجي كحق إنساني عالمي

تحمل مصطلحات مثل “الموارد البيولوجية”، “النظام الإيكولوجي”، و”الاستخدام المستدام” معان دقيقة تؤطر جهود الحفظ والحماية. فالاستدامة هنا تعني استغلال الموارد بطريقة لا تؤدي إلى استنزافها أو الإضرار بقدرتها على التجدد، لضمان استمرارها للأجيال القادمة. ويشمل ذلك حماية الأنواع في بيئتها الطبيعية، أو صيانتها خارجها عند الضرورة.

تتعدى أهمية التنوع البيولوجي الجوانب البيئية لتشمل تأثيرات اقتصادية وصحية مباشرة، حيث يرتبط فقدان التنوع البيولوجي بتهديد الأمن الغذائي والصحي للإنسان، مما يجعل من حمايته جزءا لا يتجزأ من حقوق الإنسان الأساسية. ويعد التنوع البيولوجي بمثابة “التراث الإنساني المشترك”، وهو مفهوم تسعى الدول المتقدمة لترسيخه كقاعدة للتعاون الدولي، بينما تواجه الدول النامية تحديات في التوازن بين حماية هذا التراث وتحقيق التنمية.

التنوع البيولوجي في أرقام

يشكل التنوع البيولوجي ثروة هائلة على كوكب الأرض، حيث يقدر العلماء وجود حوالي 8.75 مليون نوع حي، منها نحو 1.2 مليون نوع مصنف علميا فقط، مما يشير إلى أن الغالبية العظمى من الأنواع لا تزال غير مكتشفة. ومع ذلك، تواجه الحياة البرية تراجعا مقلقا، حيث أظهرت تقارير حديثة، مثل تقرير “Living Planet Report 2024” الصادر عن الصندوق العالمي للطبيعة، انخفاضا بنسبة 73% في حجم تجمعات الحيوانات البرية منذ سنة 1970، وخاصة في الموائل المائية العذبة التي شهدت انخفاضا بنسبة 83%. ويشير الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة إلى أن أكثر من ربع الأنواع المعروفة، أي حوالي 45 ألف نوع، مهددة بالانقراض.

اقتصاديا، تلعب الكائنات الملقحة مثل النحل والفراشات دورا حيويا في إنتاج أكثر من 75% من المحاصيل الغذائية العالمية، بقيمة تتراوح بين 235 إلى 577 مليار دولار سنويا. كما تستضيف الغابات نحو 80% من التنوع البيولوجي الأرضي، وتعمل كمخازن ضخمة للكربون حيث تمتص حوالي 2.6 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا، مما يساهم في التخفيف من تغير المناخ. كما تم تصنيف أكثر من 800 نوع جديد خلال سنة2023، مما يدل على استمرار اكتشافات التنوع البيولوجي.

وعلى المستوى الوطني، يعتبر المغرب من البلدان الغنية بتنوع بيولوجي كبير، إذ يضم أكثر من 24,600 نوع من الحيوانات وحوالي 7,000 نوع من النباتات، مع نسبة مرتفعة من الأنواع المستوطنة تصل إلى 20% في النباتات الوعائية و11% في الحيوانات، و ذلك حسب بيانات أصدرت 2023، مما يجعله من أكثر الدول تنوعا بيولوجيا في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وتتنوع النظم الإيكولوجية المغربية بين الغابات، الصحارى، البحيرات، والواحات، مثل غابة المعمورة التي تعد أكبر غابة بلوط فليني في العالم وتمتد على مساحة 130,000 هكتار، وتحتوي على أكثر من 40 نوعا من الثدييات و200 نوع من الطيور.

رغم هذه الثروة، يواجه التنوع البيولوجي بالمغرب تهديدات عديدة تشمل التغير المناخي، فقدان المواطن الطبيعية، التلوث، والصيد الجائر، حيث أدرج أكثر من 600 نوع من الحيوانات والنباتات على قوائم الأنواع المهددة بالانقراض. لمواجهة هذه التحديات، أنشأت المملكة شبكة من المناطق المحمية تغطي حوالي 17% من الأراضي البرية و10% من المناطق البحرية، في إطار جهود للحفاظ على النظم البيئية وضمان استدامة الموارد البيولوجية. تعكس هذه الأرقام أهمية التنوع البيولوجي كركيزة بيئية واقتصادية واجتماعية تتطلب تعزيز الجهود الوطنية والدولية لحمايته وضمان استمراريته للأجيال القادمة.

إن الحفاظ على التنوع البيولوجي لم يعد خيارا بيئيا فحسب، بل أضحى ضرورة وجودية ومسؤولية جماعية تتطلب التزاما حقيقيا من جميع الدول والأطراف الفاعلة. فوسط تصاعد التحديات المرتبطة بالتغير المناخي، وضغوط التنمية غير المستدامة، يبرز التنوع البيولوجي كخط الدفاع الأول للحفاظ على التوازن البيئي وضمان الأمن الغذائي والصحي للأجيال الحالية والمستقبلية. والمغرب، بانخراطه في الاتفاقيات الدولية وسن تشريعات وطنية، يؤكد التزامه بالسير على درب الحماية والاستدامة، غير أن نجاح هذه الجهود يظل رهينا بتعزيز الوعي المجتمعي، وتكثيف البحث العلمي، وتفعيل التعاون الدولي على أساس من الإنصاف والتضامن، حتى تظل الحياة ممكنة ومزدهرة على كوكب الأرض.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق