ماذا بعد الباكالوريا..؟

ECO1713 يوليو 2025

ماذا بعد الباكالوريا..؟

كشفت وزارة التربية الوطنية  أن نسبة النجاح في امتحانات الدورة الاستدراكية للباكالوريا بلغت 83,3%، وهو رقم يعكس تحسنا ملموسا في الأداء المدرسي من حيث الكم، ويؤشر إلى مجهودات معتبرة بذلت من طرف المتعلمين والأطر التربوية على السواء. غير أن هذا المؤشر الإيجابي يفتح في الوقت ذاته الباب أمام سؤال أكثر عمقا وراهنية: إلى أين يتجه الناجحون بعد البكالوريا؟ وهل المسار الجامعي الذي يختارونه فعلا يعدهم للمستقبل المهني وللاستقلال الاقتصادي، أم يعزز فقط ثقافة “طلب الوظيفة” والانتظار؟

إن هذا التساؤل يفرض نفسه بإلحاح، خصوصا أن شريحة واسعة من التلاميذ الناجحين تتجه، بشكل شبه تلقائي، نحو شعب نظرية أو شعب تختار بدافع الوجاهة أو الضغوط الأسرية، دون استحضار البعد المهني أو المقاولاتي في الاختيار. ويتجلى هذا التوجه في هيمنة ثقافة تقدس الوظيفة العمومية، وتعتبرها الأفق الوحيد للاستقرار، فيما تهمش المسارات التقنية والمهنية والريادية، رغم ما تتيحه من فرص للاندماج الاقتصادي السريع وتحقيق الاستقلال المالي.

إن المغرب، اليوم، بحاجة إلى مقاولين أكثر مما هو بحاجة إلى موظفين وأجراء. فبينما تستهلك الوظيفة العمومية نسبة كبيرة من الميزانية العامة دون أن تساهم مباشرة في إنتاج الثروة، فإن المقاولات، لا سيما الصغرى والمتوسطة، تساهم بشكل فعال في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني، عبر خلق فرص الشغل، وتنمية السوق الداخلية، والمساهمة في جمع الضرائب، وتوطين الاستثمار. بل إن الدول التي راهنت على تشجيع ريادة الأعمال في صفوف الشباب استطاعت بناء اقتصادات مرنة وقادرة على امتصاص الصدمات الاجتماعية والمالية.

غير أن القاعدة العامة السائدة بين الشباب المغربي، كما هو الشأن في عدد من الدول العربية، تكرس تصورا أحادي الأفق، يفضي تلقائيا إلى السعي وراء الوظيفة العمومية، وتهميش البدائل الأخرى الممكنة. ويعود ذلك إلى كون النظام التعليمي ما زال مبنيا على الحفظ والتلقين أكثر من الابتكار، ولا ينمي الطموح الفردي أو يشجع الشباب على التفكير المقاولاتي، ناهيك عن غياب تربية اقتصادية حقيقية داخل المؤسسات التعليمية.

من جهة أخرى، لا يقبل عدد كبير من الشباب على المقاولة، ليس بسبب نقص الكفاءة أو غياب الموارد، بل بفعل الخوف الثقافي الجماعي من الفشل، وغياب نماذج النجاح الملهمة داخل الفضاء المدرسي والإعلامي. فالمقاولة ما تزال في نظر الكثيرين مغامرة محفوفة بالمخاطر، بينما الواقع يؤكد أن كل مشروع مقاولاتي ناجح هو ثمرة دراسة دقيقة للسوق، وتخطيط محكم لمراحل الإنتاج والتسويق والتمويل. المقاولة ليست مغامرة عشوائية، بل خيار مهني استراتيجي قابل للتحقيق، متى توفرت الإرادة والوسائل التكوينية المناسبة.

من هذا المنطلق، يصبح من الضروري أن تتظافر جهود الأسرة والمدرسة والدولة لتغيير هذا التصور الجماعي، عبر تحفيز التلاميذ على اختيار مسارات دراسية تطبيقية ومهنية، إدماج وحدات في التوجيه والتربية المالية وريادة الأعمال في المرحلة الثانوية، توفير مواكبة مؤطرة للمشاريع الصغرى داخل المؤسسات الجامعية والتكوينية, عرض قصص نجاح مقاولين شباب كأمثلة ملهمة في الإعلام والمقررات.

إن نسبة نجاح 83,3% في البكالوريا ليست مجرد رقم، بل مؤشر على أن آلاف الشباب على عتبة المستقبل. والسؤال المطروح اليوم ليس كم نجح؟ بل كيف سنوجّه هذا النجاح نحو بناء اقتصاد وطني منتج ومقاولاتي، لا مجرد ضخ أفواج جديدة في سوق الوظيفة العمومية المغلقة.

 

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق