الإنسان والبيئة.. من التوازن الطبيعي إلى الأزمة البيئية المعاصرة

ECO178 مارس 2026

الإنسان والبيئة.. من التوازن الطبيعي إلى الأزمة البيئية المعاصرة
إيمان بنسعيد

الحلقة الأولى

الإنسان والبيئة… من التوازن الطبيعي إلى الأزمة البيئية المعاصرة

`قراءة في كتاب «التشريع البيئي من خلال تراث نوازل الغرب الإسلامي: نحو قانون بيئي إنساني موحد» للدكتور عبد الحكيم الشتيوي.. كيف تغيرت علاقة الإنسان بالبيئة عبر التاريخ؟`

ارتبط وجود الإنسان على الأرض منذ البداية بعلاقة وثيقة مع البيئة التي يعيش فيها. فالأرض بما تحتويه من ماء وهواء ونبات وحيوان تشكل المجال الطبيعي الذي يمارس فيه الإنسان مختلف أنشطته، ويقيم فيه حياته الفردية والجماعية، ويؤسس عليه أنماط العمران والتنظيم الاجتماعي. ولهذا ظلت العلاقة بين الإنسان والبيئة علاقة أساسية في مسار التاريخ الإنساني.

ويشير الدكتور عبد الحكيم الشتيوي في كتابه »التشريع البيئي من خلال تراث نوازل الغرب الإسلامي« إلى أن هذه العلاقة اتسمت في مراحل طويلة من التاريخ بنوع من التوازن والانسجام. فقد كان الإنسان يستفيد من عناصر البيئة دون أن يمتلك القدرة التقنية التي تمكنه من استنزافها أو إحداث تغييرات عميقة في نظامها الطبيعي. كما أن بطء النمو الديمغرافي وضعف النزعة الفردية في التملك والسيطرة، إضافة إلى محدودية وسائل الاستغلال، كلها عوامل جعلت تأثير الإنسان في البيئة محدودا نسبيا ولم يبلغ حد الإفساد الواسع في مكوناتها.

غير أن هذه العلاقة بدأت تعرف تحولات عميقة منذ القرون الأخيرة، خاصة مع التحولات العلمية والصناعية التي عرفها العالم الحديث. فقد أدى التقدم التقني وظهور الثورة الصناعية إلى توسيع قدرة الإنسان على استغلال الموارد الطبيعية، وهو ما أدى بدوره إلى بروز نمط جديد من العلاقة مع البيئة يقوم على تكثيف الإنتاج الصناعي والاقتصادي والبحث المستمر عن الموارد الطبيعية لتغذية هذا النمو المتسارع.

ومع مرور الزمن بدأت آثار هذا التحول تظهر في صورة اختلالات بيئية متعددة. فقد ارتفعت مستويات التلوث في الهواء والمياه والتربة، وتراجعت مساحات الغابات والغطاء النباتي، كما ازدادت الضغوط على الموارد الطبيعية نتيجة الاستغلال المكثف. وأصبحت قضايا التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة واستنزاف الموارد من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة.

ويبين المؤلف أن هذه الأزمة البيئية لا ترتبط فقط بالتطور العلمي أو التقني، بل ترتبط أيضا بطريقة تفكير الإنسان في الطبيعة وكيفية تعامله مع مواردها. فالسعي المتواصل إلى تحقيق النمو الاقتصادي وتعظيم الإنتاج أدى في كثير من الأحيان إلى استنزاف الموارد الطبيعية دون مراعاة حدود التوازن البيئي، وهو ما أدى إلى اختلال العلاقة بين الإنسان والبيئة.

وقد أدى هذا الوضع إلى تزايد الاهتمام العالمي بقضايا البيئة، حيث أصبحت هذه القضايا موضوعا للنقاش في المؤسسات الدولية ومراكز البحث العلمي، كما صدرت بشأنها تقارير ودراسات عديدة تحذر من المخاطر التي قد تهدد التوازن البيئي على مستوى العالم.

غير أن كتاب الدكتور عبد الحكيم الشتيوي يحاول مقاربة هذه القضية من زاوية أخرى، من خلال العودة إلى التراث الفقهي الإسلامي، وبخاصة تراث نوازل الغرب الإسلامي. فالمؤلف يرى أن هذا التراث لا يقتصر على معالجة المسائل الفقهية التقليدية، بل يتضمن أيضا اجتهادات تناولت جوانب متعددة من حياة المجتمع، من بينها القضايا المرتبطة باستعمال الموارد الطبيعية وتنظيم الانتفاع بها.

وقد عالج الفقهاء في كتب النوازل مسائل متعددة تتعلق بالمياه والأراضي والزراعة والعمران، وهي موضوعات ترتبط ارتباطا مباشرا بالبيئة ومكوناتها المختلفة. ولم تكن هذه القضايا مجرد مسائل نظرية، بل كانت في الغالب استجابة لمشكلات واقعية واجهها الناس في حياتهم اليومية، مثل تنظيم حقوق الانتفاع بالمياه، أو معالجة النزاعات المرتبطة بالأراضي الزراعية، أو ضبط بعض الممارسات التي قد تؤدي إلى الإضرار بالمجال العمراني أو الزراعي.

ومن الأمثلة التي تكشف هذا الوعي المبكر بقضايا البيئة ما أورده الدكتور مصطفى بنحمزة في تقديم الكتاب، حيث يشير إلى أن فقهاء الغرب الإسلامي أجازوا غرس الأشجار في أفنية المساجد وتزيينها بها، واعتبروا ثمارها منفعة مشتركة يمكن أن ينتفع بها الناس. وقد جاء في”نظم عمل فاس”:

وشجرٌ بمسجدٍ أو مقبرةٍ

يأكل من شاءَ من تلك الشجرة.

ويكشف هذا المثال البسيط عن تصور فقهي ينظر إلى الموارد الطبيعية داخل المجال العمراني باعتبارها منفعة عامة يمكن أن ينتفع بها الناس دون احتكار، وهو ما يعكس حضور فكرة المصلحة العامة في التعامل مع عناصر البيئة.

وتبرز أهمية هذا التراث في كونه يمثل فقها مرتبطا بالواقع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات الإسلامية في الغرب الإسلامي، حيث جاءت كثير من هذه النوازل نتيجة أسئلة طرحها الناس حول قضايا عملية تمس حياتهم اليومية، وهو ما يجعلها مصدرا مهما لفهم كيفية تعامل الفقهاء مع قضايا البيئة والموارد الطبيعية في سياقها التاريخي والاجتماعي.

ومن خلال إعادة قراءة هذا التراث، يحاول كتاب الدكتور الشتيوي إبراز الإمكانات التي يتيحها الفقه الإسلامي للإسهام في التفكير في القضايا البيئية المعاصرة. فالمبادئ التي اعتمدها الفقهاء في تنظيم علاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي — مثل منع الضرر وتحقيق المصلحة العامة — يمكن أن تشكل أساسا مهما لبناء تصور متوازن لعلاقة الإنسان بالبيئة.

وفي الحلقة المقبلة من هذه السلسلة سنتوقف عند التصور الإسلامي لعلاقة الإنسان بالبيئة، لنرى كيف نظر الإسلام إلى الإنسان باعتباره مستخلفا في الأرض، وما الذي يترتب عن هذا المفهوم من مسؤوليات في إعمار الأرض والحفاظ على توازنها.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق