كيف يعيد التحول الأخضر تشكيل مناخ الأعمال في المغرب؟

ECO173 يناير 2026

كيف يعيد التحول الأخضر تشكيل مناخ الأعمال في المغرب؟
ابراهيم بوكيوض

يدخل المغرب مرحلة مفصلية من تحوله البيئي، ولم يعد يتعامل مع البيئة باعتبارها عبئا على النمو، بل كعنصر حاسم في إعادة تشكيل مناخ الأعمال. فبين ضغط الجفاف، وتقلب أسعار الطاقة، وتشدد المعايير البيئية الدولية، يجد الاقتصاد المغربي نفسه أمام خيار استراتيجي: إما التكيف السريع مع التحول الأخضر، أو تحمل كلفة التأخر اقتصاديا وتنافسيا.

يراهن المغرب على الطاقات المتجددة لتحسين استقلاليته الطاقية وتقليص كلفة الإنتاج. وقد عززت المشاريع الشمسية والريحية موقع البلاد كفاعل إقليمي في الطاقة النظيفة، وفتحت الباب أمام استثمارات صناعية مرتبطة بسلاسل التوريد منخفضة الكربون، خصوصا في قطاعات السيارات والطيران والصناعات الموجهة للتصدير، التي تواجه ضغوطا متزايدة من الأسواق الأوروبية لاحترام المعايير البيئية.

غير أن معادلة التحول الأخضر لا تكتمل دون معالجة إشكالية الماء، باعتبارها أحد أخطر التحديات الاقتصادية. فبعد سبع سنوات عجاف متتالية، عرف المغرب مع نهاية 2025 وبداية 2026 تساقطات مطرية مهمة ساهمت في تحسّن نسبي لمخزون السدود وإنعاش الفرشات المائية، ما خفف مؤقتا الضغط عن الفلاحة والماء الشروب وبعض الأنشطة الصناعية. غير أن هذا التحسن، رغم أهميته، لا يعالج جوهر الأزمة، بل يكشف طبيعتها البنيوية. فالتقلب المناخي يجعل الموارد المائية غير منتظمة، ويحول الأمطار من حل دائم إلى فرصة ظرفية لإعادة ترتيب السياسات وتسريع الاستثمارات في تحلية المياه، وإعادة استعمال المياه العادمة، والرفع من النجاعة المائية داخل المقاولات.

ويؤثر هذا الواقع مباشرة في مناخ الأعمال، إذ ترفع ندرة المياه كلفة الإنتاج، وتفرض على المستثمرين إدماج المخاطر المناخية في قراراتهم. في المقابل، تخلق هذه الضغوط سوقا جديدة للتكنولوجيا البيئية والخدمات المرتبطة بالماء والطاقة، ما يحول الأزمة إلى مجال استثمار مشروط بوضوح الرؤية واستقرار السياسات العمومية.

ويرتبط التحول الأخضر كذلك بسوق الشغل؛ فمع توسع الاقتصاد الأخضر، تظهر مهن جديدة في الطاقات المتجددة، والتدبير المستدام للموارد، والنجاعة الطاقية، وهو ما يمنح للانتقال البيئي بعدا اجتماعيا واقتصاديا، ويحدد قدرته على الاستمرار.

إن التحول الأخضر لا يغير صورة المغرب البيئية فقط، بل يعيد رسم قواعد مناخ الأعمال. فالأمطار الأخيرة منحت الاقتصاد هامش تنفس، لكنها لم تنه التحدي. والرهان الحقيقي يكمن في تحويل هذا الهامش الزمني إلى إصلاحات عميقة تجعل من البيئة محركا للتنافسية لا متغيرا ظرفيا تحكمه التقلبات المناخية.

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق