كيف أصبح البصل في المغرب “ذهبًا”؟

ECO1720 مارس 2026
كيف أصبح البصل في المغرب “ذهبًا”؟
ابراهيم بوكيوض

 بين التصدير وغلاء الأسعار: من يحكم سوق البصل في المغرب؟

في مفارقة تعكس اختلالا عميقا في توازن السوق الفلاحية، يعيش المغرب خلال سنة 2026 على وقع ارتفاع غير مسبوق في أسعار البصل، حيث تجاوز ثمنه في بعض نقاط البيع 15 درهما للكيلوغرام، رغم توفره في أسواق الجملة بأسعار أقل، بل وحتى استيراده من الخارج بكلفة منخفضة. هذه الوضعية تطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأزمة: هل هي نتيجة نقص في الإنتاج، أم انعكاس لخلل في منظومة التوزيع والتسويق؟

خلال فترة الوفرة الممتدة من نونبر إلى يناير، عرف إنتاج البصل مستويات مريحة، غير أن جزءا مهما منه تم توجيهه نحو التصدير، مستفيدا من ارتفاع الطلب في الأسواق الإفريقية والخليجية. هذا التوجه، الذي يبدو منطقيا من زاوية الربح، أدى عمليا إلى استنزاف المخزون الوطني في وقت مبكر، مما خلق فجوة في العرض داخل السوق المحلية. ومع مرور الأسابيع، بدأت الأسعار في الارتفاع تدريجيا إلى أن بلغت مستويات أثقلت كاهل المستهلك.

ومع اشتداد الأزمة، لجأ الفاعلون إلى استيراد البصل، خاصة من إسبانيا، بأسعار تتراوح بين 6 و8 دراهم للكيلوغرام في أسواق الجملة. غير أن هذا المعطى زاد من حدة المفارقة بدل أن يخففها، إذ يعاد تسويق هذا البصل داخل السوق المحلية بأثمنة تفوق 12 إلى 15 درهما. هذا الفرق الكبير بين سعر الشراء وسعر البيع يسلط الضوء على هوامش ربح مرتفعة، ويعيد النقاش حول دور الوسطاء الذين يتحكمون في مسار المنتوج من الحقل إلى المستهلك، في ظل ضعف آليات المراقبة والتنظيم.

أزمة البصل لا تبدو معزولة عن سياق أوسع، فقد سبق للسوق المغربية أن شهدت اضطرابات مشابهة في أسعار الطماطم والبطاطس خلال السنوات الأخيرة. ففي حالة الطماطم، ارتفعت الأسعار رغم وفرة الإنتاج، بسبب توجيه كميات كبيرة نحو التصدير، خاصة إلى الأسواق الأوروبية. أما البطاطس، فقد عرفت بدورها تقلبات حادة نتيجة التخزين غير المنظم والمضاربة. القاسم المشترك بين هذه الأزمات هو هشاشة سلاسل التوزيع وهيمنة الوسطاء، إلى جانب غياب توازن واضح بين متطلبات السوق الداخلية وإغراءات التصدير.

ورغم النجاحات التي حققتها السياسات الفلاحية في المغرب، وعلى رأسها “مخطط المغرب الأخضر” واستراتيجية “الجيل الأخضر”، من حيث رفع الإنتاج وتعزيز الصادرات، إلا أن هذه البرامج أظهرت محدوديتها في ما يتعلق بتنظيم السوق الداخلية. فقد تم التركيز بشكل كبير على البعد التصديري، دون إرساء آليات كافية لضمان استقرار الأسعار محلياً، أو حماية القدرة الشرائية للمستهلك. كما أن ضعف البنية التحتية المرتبطة بالتخزين والتبريد ساهم في تعميق الأزمة، حيث يتم تسويق المنتوج بسرعة خلال فترات الوفرة بدل توزيعه بشكل متوازن على مدار السنة.

تكشف أزمة البصل أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الإنتاج، بل في الحكامة. فبلد يحقق أرقاما قياسية في تصدير منتجاته الفلاحية يجد نفسه مضطرا للاستيراد لتلبية حاجياته الداخلية، في مشهد يعكس تناقضا بنيويا. وبين منطق السوق الذي يفضل الربح السريع عبر التصدير، وضرورة ضمان استقرار السوق المحلية، يبقى المستهلك الحلقة الأضعف، في انتظار إصلاحات تعيد التوازن بين السيادة الغذائية والانفتاح التجاري.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق