تبنت مجموعة البنك الدولي منذ سنة 1990 نهجا علميا متقدما لرصد الفقر وقياسه، باعتباره أحد أبرز التحديات العالمية. وقد شهدت هذه الجهود تحولات نوعية خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث تطورت الأساليب والمعايير بما يواكب المتغيرات الاقتصادية والديموغرافية على الصعيد الدولي.
تطور خط الفقر العالمي
تم إطلاق مفهوم خط الفقر العالمي في أوائل التسعينيات كأداة مرجعية لقياس مدى التقدم في محاربة الفقر. وقد تم تقدير هذا الخط في بداياته بدولار واحد يوميا للفرد في البلدان منخفضة الدخل، ليعدل لاحقا عدة مرات.
وفي آخر تحديث صدر سنة 2025، تم رفع خط الفقر إلى 3 دولارات يوميا للفرد في البلدان منخفضة الدخل، كما تم تحديد خطوط جديدة للبلدان متوسطة الدخل تتراوح بين 4.20 دولارات و8.40 دولارات. تعكس هذه التعديلات التغيرات في الأسعار، ومستويات المعيشة، وتعادلات القوة الشرائية، مما يضمن مواءمة أدوات القياس مع الواقع الاقتصادي لكل بلد.
فجوة الرخاء: مؤشر جديد للفقر النسبي
أطلقت مجموعة البنك الدولي سنة 2024 مؤشرا جديدا يعرف بـفجوة الرخاء، ويهدف إلى تقييم التفاوت في مستويات المعيشة بين الدول منخفضة الدخل ونظيراتها مرتفعة الدخل. لا يركز هذا المؤشر على الفقر المدقع فقط، بل يوفر منظورا أوسع لمستوى الرفاه البشري في سياق العدالة والإنصاف.
أهمية البيانات والدراسات الاستقصائية
تؤدي دراسات الأسر المعيشية دورا محوريا في توفير البيانات اللازمة لقياس الفقر. وتشمل هذه الدراسات معلومات دقيقة حول الإنفاق، والاستهلاك، وظروف العيش، مما يوفر قاعدة صلبة لتوجيه السياسات العامة.
وقد شهدت هذه الدراسات تطورا ملموسا في التغطية والجودة، خصوصا في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. وتمت إضافة عناصر جديدة إلى مؤشرات الاستهلاك مثل الطعام خارج المنزل، والسلع المعمرة les biens durables كالثلاجات والهواتف، وهو ما يعكس تنوع أنماط العيش واحتياجات المجتمعات المعاصرة.
التحديات الراهنة: عقبات في طريق القضاء على الفقر
رغم إحراز تقدم ملموس بتقليص عدد الفقراء بـ1.5 مليار شخص منذ 1990، فإن التحديات ما تزال قائمة، حيث تباطأت وتيرة خفض الفقر خلال العقد الأخير بفعل أزمات متعددة، أبرزها تباطؤ النمو الاقتصادي، تفاقم المديونية، تصاعد النزاعات، والآثار المتفاقمة لتغير المناخ.
ويقدر عدد الأشخاص الذين لا يزالون يعيشون في فقر مدقع بأكثر من 800 مليون، الأمر الذي يستدعي مضاعفة الجهود لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
سياسات قائمة على الأدلة
تؤكد مجموعة البنك الدولي أن خطوط الفقر العالمية صالحة لأغراض المقارنة بين الدول، في حين يبقى خط الفقر الوطني الأداة الأنسب لرسم السياسات على المستوى المحلية; كما تشدد على أهمية النظر إلى الفقر بوصفه ظاهرة متعددة الأبعاد تشمل التعليم، والصحة، والمياه، والكهرباء، والصرف الصحي، إلى جانب مؤشرات الدخل والاستهلاك.
فالمعطيات الدقيقة والموثوقة تمثل حجر الزاوية لأي سياسة ناجحة. وبدونها، تبقى الخطط والبرامج معرضة للفشل أو الانحراف.
الفقر في المغرب: تشخيص بالأرقام والسياسات
سجل المغرب خلال السنوات الأخيرة تراجعا ملحوظا في نسب الفقر، غير أن هذا التراجع لم يكن متساويا بين مختلف الفئات والمجالات الجغرافية. وحسب معطيات الإحصاء الوطني للسكان وظروف عيش الأسر لسنة 2024 الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، انخفض معدل الفقر النقدي من 4.8% سنة 2014 إلى 3.9% سنة 2022، بعد أن بلغ أدنى مستوياته في 2019 بنسبة 1.7%. ورغم هذا التحسن، بلغ عدد الفقراء سنة 2022 حوالي 1.42 مليون شخص، موزعين بين 512 ألفا في الوسط الحضري و906 آلاف في الوسط القروي.
كما تراجع الفقر متعدد الأبعاد، الذي يأخذ بعين الاعتبار مؤشرات التعليم والصحة ومستوى العيش، من 9.1% سنة 2014 إلى 5.7% سنة 2022. وسجل هذا التراجع بالأساس في الوسط القروي من 19.4% إلى 11.2%، بينما عرف الوسط الحضري ارتفاعا طفيفا من 2.2% إلى 2.6%.
أما معدل الفقر النقدي في الوسط الحضري فقد ارتفع من 1.6% إلى 2.2% بين 2014 و2022، مقابل تراجع في الوسط القروي من 9.5% إلى 6.9%. وفي السياق ذاته، ارتفعت نسبة السكان المعرضين للفقر، ليصل عددهم سنة 2022 إلى حوالي 4.75 مليون نسمة، من بينهم 2.24 مليون في المدن و2.51 مليون في القرى.
وتشير الإحصائيات إلى أن الطبقة الوسطى تضررت بشكل ملحوظ، خاصة خلال الفترة 2019–2022 التي شهدت انخفاضا حادا في متوسط مستوى المعيشة بنسبة 4.3%، في حين لم يسجل سوى ارتفاع طفيف خلال الفترة 2014–2022 بنسبة 0.8%. ويعزى هذا التراجع إلى التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد-19، وتوالي موجات ارتفاع الأسعار، لا سيما في المواد الغذائية والخدمات الأساسية.
وقد رافق هذا الوضع تفاقم في مؤشرات التفاوت، حيث ارتفع معامل جيني من 39.5% سنة 2014 إلى 40.5% سنة 2022، مما يعكس اتساع الفجوة بين الفئات الاجتماعية. وعلى المستوى الدولي، لا تزال معدلات الفقر المدقع بالمغرب منخفضة جدا، إذ لا تتجاوز 0.3% من السكان الذين يعيشون بأقل من 1.90 دولار في اليوم، حسب تعادل القوة الشرائية، مع تركزها بشكل أكبر في المناطق القروية بنسبة 0.68%.
السياسات الوطنية في مواجهة الفقر
استجاب المغرب لهذه التحديات عبر اعتماد مجموعة من السياسات العمومية الرامية إلى الحد من الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية. فمنذ سنة 2005، تم إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تهدف إلى تمويل مشاريع مدرة للدخل، وتحسين الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية، خاصة في المناطق القروية والهامشية.
كما شهدت سنة 2020 انطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية، والذي يهدف إلى توفير التغطية الصحية الأساسية لنحو 10 ملايين من الأجراء والعمال غير المهيكلين، إضافة إلى دعم مباشر موجه للأسر المعوزة، دخل حيز التنفيذ سنة 2024.
وتواكب هذه الإجراءات إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي من خلال الانتقال من الدعم غير المباشر، عبر صندوق المقاصة، إلى الدعم المباشر، مما يسمح باستهداف أكثر دقة وفعالية. كما تبذل الحكومة مجهودات لتحسين الدخل عبر رفع الحد الأدنى للأجور، وتحفيز الاستثمار في المناطق النائية، وتحسين الولوج إلى الخدمات العمومية.
رهان مستمر على العدالة الاجتماعية
تظهر المؤشرات أن المغرب نجح في تقليص الفقر المدقع، غير أن استمرار هشاشة الطبقة الوسطى، وارتفاع الفقر بالمدن، واتساع الفوارق الاجتماعية، يتطلب مزيدا من التنسيق بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية. كما يستوجب الأمر تثمين المكتسبات المحققة في إطار ورش الحماية الاجتماعية، وتوسيع أثرها ليشمل تحسين جودة العيش لكل المواطنات والمواطنين.



















