تعيش ساحة جامع الفنا، القلب النابض لمدينة مراكش وأيقونة تراثها الحي، على إيقاع ورش تأهيل حضري متجدد، استعدادًا لاحتضان التظاهرات الكبرى المقبلة، وفي مقدمتها كأس الأمم الأفريقية 2025 وكأس العالم 2030، ضمن رؤية متكاملة تسعى إلى تأهيل الفضاء العام وتعزيز جاذبيته السياحية، دون التفريط في قيمته الرمزية والثقافية.
فمنذ نهاية شهر ماي الماضي، انطلقت أشغال التهيئة التي تشمل تثبيت نظام متطور للتحكم في الولوج، يعتمد أعمدة هيدروليكية قابلة للسحب، سيتم توزيعها بشكل استراتيجي على مداخل الساحة، من بينها ممر الأمير مولاي رشيد، وزنقة بني مرين، وشارع جامع الفنا، ما من شأنه تحسين تدبير الحركة وتعزيز السلامة، خاصة خلال فترات الذروة التي تشهدها المدينة الحمراء.
وتضطلع شركة “كلاتش” بتركيب هذا النظام الجديد، الذي يرتكز على مراقبة الدخول والخروج بشكل آلي، ما يضمن انسيابية مرورية أكبر وسط فضاء يتسم بالحيوية والازدحام، ويعرف توافدا كثيفا للزوار، لاسيما في ظل استعداد المدينة لاحتضان أحداث ذات صدى عالمي.
وتتجاوز تدخلات التأهيل الجانب التقني إلى ما هو جمالي وهوياتي، حيث يشمل المشروع، الممتد إلى غاية دجنبر المقبل، تثبيت إضاءة حديثة تبرز معالم الساحة المعمارية، وترميم المباني المحيطة مع احترام طابعها التاريخي، واستعمال مواد ذات جودة عالية تتحمل الاستعمال اليومي الكثيف، إلى جانب إعادة تنظيم الفضاءات بما يسهل حركة الزوار ويعزز تجربتهم السياحية.
ويندرج هذا المشروع في إطار برنامج أشمل لتأهيل المدينة العتيقة لمراكش، برنامج يراهن على حفظ التراث المعماري والروحي للمدينة، مع خلق توازن بين ضرورات التنمية الحضرية ومتطلبات صيانة الذاكرة الجماعية.
لقد كانت ساحة جامع الفنا، وما تزال، فضاء نابضا بالتراث اللامادي، ومرآة لثقافة حية تتجدد مع الأجيال. هنا تتلاقى الحكايات الشعبية، وأهازيج الحكواتيين، ونداء الباعة المتجولين، في فسيفساء إنسانية تجعل من الساحة فضاء استثنائيا للتلاقي الحضاري. وهو ما جعلها تحظى، منذ سنة 2008، بتصنيفها كتراث شفهي ولا مادي للإنسانية من قبل منظمة اليونسكو، في اعتراف دولي بمكانتها الرمزية وفرادتها الثقافية.
وفي ظل هذه الدينامية الجديدة، تثبت جامع الفنا مجددا أنها ليست فقط ساحة، بل قلب مدينة، وذاكرة حية، ومجالا حضريا يتحرك باستمرار بين ماضيه العريق ومستقبله الواعد.



















عذراً التعليقات مغلقة