تواصل الحرب التجارية التي تشنها الولايات المتحدة إرباك التجارة العالمية، مع ما تسببه من تقلبات في السياسات الجمركية وتوترات مالية تمس مختلف القطاعات الاقتصادية. ووفقا لاستطلاع حديث أجرته شركة أليانز ترايد Allianz Trade وشمل 4500 مصدر في تسعة بلدان تمثل 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فإن ما يقارب 45% من الشركات المستجوبة تتوقع تراجع رقم معاملاتها التصديرية، بينما تفكر أكثر من واحدة من كل أربع في توقيف مؤقت للإنتاج، خاصة في القطاعات التي تعتمد على السلع الوسيطة المستوردة. هذه التطورات، حسب توقعات أليانز ترايد، قد تؤدي إلى خسائر عالمية في التصدير تصل إلى 305 مليارات دولار في هذه السنة، رغم الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها الولايات المتحدة مؤخرا مع الصين والمملكة المتحدة.
التأثير المباشر وغير المباشر على المغرب
وفيما يخص المغرب، فإن التأثير المباشر لهذه الحرب عليه يظل محدودا، نظرا لانخفاض حجم صادراته إلى السوق الأمريكية، والتي تقتصر أساسا على الأسمدة والآلات الكهربائية والسيارات والمواد الخام. وبفضل استثناء الأسمدة من الزيادة في الرسوم، فإن قيمة الصادرات المغربية المتأثرة لا تتجاوز 110 ملايين دولار.
لكن التأثير غير المباشر يبدو أكثر أهمية، خصوصا عبر أوروبا، الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، والتي قد تشهد بدورها تباطؤا في النمو وتراجعا في الثقة، ما سينعكس سلبا على الطلب على الصادرات المغربية.
تراجع مكاسب التصدير وفرص التنويع
في ظل هذا الواقع، من المرتقب أن تتراجع مكاسب المغرب من الصادرات إلى 2,8 مليار دولار سنة 2025، بعد أن بلغت 5 مليارات في 2024. وتبقى إسبانيا وفرنسا في صدارة الأسواق التي يمكن أن تستوعب هذه الصادرات، إلى جانب أسواق واعدة مثل البرازيل، الهند، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة وألمانيا.
من حيث القطاعات، يتصدر مجال خدمات المستهلكين والشركات قائمة الأنشطة الأكثر استفادة، بإمكانية تحقيق مكاسب تصل إلى 1,26 مليار دولار، يليه قطاع الصناعات الغذائية بنحو 360 مليون دولار، ثم الصناعات الكيميائية بـ326 مليونا، والبرمجيات وتكنولوجيا المعلومات بـ233 مليونا، فالإلكترونيات والنسيج.
آفاق نمو تدعمها السياحة والفلاحة
رغم هذا التراجع النسبي في الأداء التصديري، فإن آفاق النمو في المغرب تظل إيجابية، مدعومة بانتعاش القطاع الفلاحي وتقدم القطاع الصناعي، إلى جانب الأداء المتواصل لقطاع السياحة، ما سيدفع النمو الاقتصادي إلى بلوغ 3,5% في 2025 و3,6% في 2026، حسب تقديرات أليانز ترايد. وتظهر هذه الأرقام قدرة الاقتصاد المغربي على الصمود في وجه التحولات العالمية، مع حفاظه على موقعه بين الاقتصادات الأكثر دينامية في منطقته.
فرص إعادة التموقع الجغرافي
في المقابل، تفتح هذه التغيرات الجيو-اقتصادية آفاقا جديدة أمام المغرب للاستفادة من استراتيجيات إعادة توطين الشركات، خاصة الأوروبية، التي تسعى إلى تقليص انكشافها على الصين والولايات المتحدة. ويمكن للمملكة أن تبرز كمركز صناعي تنافسي بفضل موقعها الجغرافي وتكاليفها المنخفضة مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي، ما يعزز فرص استقطاب الاستثمارات، خصوصا في قطاع السيارات حيث يزداد انخراط الشركات الصينية.
الموانئ المغربية كمحاور لوجستية عالمية
على مستوى البنية التحتية، قد تلعب الموانئ المغربية دورا حاسما في إعادة تشكيل سلاسل التوريد، لا سيما إذا ما تم تعزيز الاستثمارات اللوجستية. وقد استفاد ميناء الدار البيضاء من تداعيات إغلاق قناة السويس، ما يكرس موقعه كمحور بديل للتجارة الدولية. كما صنفت أليانز ترايد المغرب في المرتبة 20 ضمن الاقتصادات الناشئة المرشحة لتصبح مراكز تجارية من الجيل الجديد، بفضل إمكاناته التجارية (المرتبة 16)، جودة الربط الدولي (المرتبة 17) وفعالية الخدمات اللوجستية (المرتبة 23).
المغرب بين التحديات والفرص
أمام هذا المشهد المتقلب، سيكون على المغرب مواصلة ترسيخ موقعه كمركز إقليمي صاعد، من خلال تعزيز نقاط قوته وتكييف سياساته مع التحولات العالمية، بما يمكنه من تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للتنمية الاقتصادية المستدامة.



















