نباتات تتحدى الزمن وتعود إلى الحياة بعد قرون من السكون

ECO1712 يوليو 2026
نباتات تتحدى الزمن وتعود إلى الحياة بعد قرون من السكون
ابراهيم بوكيوض

تتميز النباتات بقدرة استثنائية على حفظ الحياة داخل البذور والأنسجة، إذ تدخل بعض الخلايا في حالة سكون يتباطأ خلالها النشاط الحيوي إلى أدنى مستوى. ويساعد الغلاف الصلب للبذور، وانخفاض الرطوبة والحرارة، وغياب الكائنات المحللة، على حماية المادة الوراثية زمنا طويلا. لذلك وجد العلماء بذورا وأنسجة نباتية حافظت على قدرتها على النمو بعد مئات، بل آلاف السنين.

زهرة سيبيريا تعود بعد 32 ألف سنة

في أبرز هذه التجارب، نجح علماء روس سنة 2012 في إنتاج نبات كامل من أنسجة ثمرة متجمدة عمرها نحو 31 ألفا و800 سنة. وعثر الباحثون على الثمار داخل جحور قديمة لسناجب أرضية، على عمق 38 مترا في التربة دائمة التجمد شمال شرقي سيبيريا.

وينتمي النبات إلى جنس السيلين، ويحمل الاسم العلمي Silene stenophylla، ويمكن تسميته عربيا السيلين ضيق الأوراق. ولم ينبت العلماء البذور القديمة مباشرة، لأنها كانت متضررة، بل أخذوا نسيجا من الجزء الداخلي للثمرة الذي تتصل به البذور، ثم نموا خلاياه داخل المختبر.

أنتجت الخلايا جذورا وبراعم، ثم تحولت إلى نباتات كاملة أزهرت وأعطت ثمارا وبذورا قادرة على الإنبات. وبذلك مثلت التجربة أقدم حالة موثقة لإنتاج نبات خصب من نسيج نباتي قديم محفوظ طبيعيا.

وتفسر الدراسة هذا البقاء الطويل باستمرار تجمد التربة عند نحو سبع درجات مئوية تحت الصفر، وعدم تعرضها للذوبان أو الاضطراب، إضافة إلى قدرة النسيج الداخلي للثمرة على مقاومة التجمد.

بذور أخرى احتفظت بالحياة

نجح باحثون أيضا في إنبات بذور نخيل التمر اليهودي التي ظلت محفوظة نحو ألفي سنة في مواقع أثرية قرب البحر الميت. وأظهرت دراسات لاحقة أن عددا من هذه البذور القديمة أنبت نخلا حيا، مما سمح للعلماء بدراسة خصائص أصناف زراعية اختفت منذ قرون.

وفي الصين، أنبت العلماء بذرة من اللوتس المقدس يقدر عمرها بنحو 1300 سنة. ويربط الباحثون هذا العمر الطويل بصلابة غلاف البذرة ومقاومته للماء، فضلا عن وجود آليات خلوية تحمي البروتينات والمادة الوراثية وتصلح بعض الأضرار عند بدء الإنبات.

كما استطاع باحثون إعادة نمو بعض الحزازيات التي ظلت مدفونة تحت الجليد مئات السنين. والحزازيات نباتات صغيرة لا تنتج أزهارا أو بذورا، ولذلك يعتمد تجددها على بقاء أجزاء من أنسجتها حية.

لماذا تهم هذه التجارب الإنسان؟

تكشف هذه الدراسات أن البذور والأنسجة النباتية قد تعمل مثل خزائن طبيعية تحفظ التنوع الوراثي. ويستفيد العلماء من هذه المعرفة في تحسين طرق تخزين بذور المحاصيل، وحماية الأنواع المهددة، وفهم قدرة النباتات على مقاومة البرد والجفاف والشيخوخة.

كما تساعد مقارنة النباتات القديمة بأقاربها الحديثة على معرفة التغيرات التي طرأت عليها عبر الزمن. وقد تحمل الأنسجة القديمة صفات وراثية مفيدة، مثل مقاومة الأمراض أو تحمل الظروف المناخية القاسية.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين إنبات بذرة قديمة وإنتاج نبات من نسيج قديم. ففي حالة نخيل التمر واللوتس، نمت النباتات من بذور كاملة، أما نبات سيبيريا فقد نما من خلايا مأخوذة من نسيج الثمرة، لا من بذرة عادت إلى الإنبات.

وتؤكد هذه التجارب أن النبات لا يقاوم الزمن بالطريقة نفسها التي تقاوم بها الحيوانات؛ فهو يحفظ إمكان الحياة داخل بذرة أو خلية ساكنة، ثم يستأنف النمو عندما تتوفر الحرارة والماء والمواد الغذائية المناسبة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق