لا تصنع كأس العالم الفرجة داخل الملاعب فقط، بل تنتج أيضا ملايين الوجبات، والعبوات، والتذاكر، والرحلات، والنفايات. لذلك لم يعد السؤال اليوم من سيفوز بالكأس فقط، بل كيف يمكن تنظيم أكبر حدث كروي في العالم دون أن يتحول إلى موسم ضخم للاستهلاك والهدر؟
لم تعد بطولة كأس العالم مجرد منافسة رياضية تجمع أفضل المنتخبات في العالم، بل أصبحت أيضا فضاء لاختبار قدرة الرياضة على المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة. وانطلاقا من هذا التحول، أطلقت الاتحاد الدولي لكرة القدم وثيقة “استراتيجية الاستدامة وحقوق الإنسان لكأس العالم 2026″، التي تعتبر أول إطار شامل يدمج الاستدامة وحقوق الإنسان في جميع مراحل تنظيم البطولة، من التخطيط إلى التنفيذ ثم تقييم الإرث الذي ستتركه بعد إسدال الستار على المنافسات.
وتؤكد الوثيقة أن نجاح كأس العالم لا يقاس فقط بجودة التنظيم أو عدد الجماهير، بل أيضا بقدرته على احترام حقوق الإنسان، وتقليص الأثر البيئي، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المدن المستضيفة. ولهذا اعتمدت الفيفا أربعة محاور رئيسية هي: البيئة، والمجتمع، والاقتصاد، والحكامة، مع ربطها مباشرة بأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
وتأتي هذه السلسلة لتسلط الضوء على هذه العلاقة، من خلال قراءة أهم أهداف التنمية المستدامة في ضوء أكبر تظاهرة رياضية في العالم. ونبدأ بالهدف الثاني عشر، المتعلق بالاستهلاك والإنتاج المسؤولين، لأنه يعالج أحد أكثر التحديات ارتباطا بتنظيم البطولات الكبرى.
عندما تتحول مباراة واحدة إلى منظومة استهلاك ضخمة
مع توسع كأس العالم 2026 إلى 48 منتخبا و104 مباريات، يرتفع أيضا حجم الموارد التي تحتاجها البطولة. فكل مباراة تعني آلاف الوجبات، وعشرات الآلاف من عبوات المشروبات، وكميات كبيرة من المواد الغذائية، والمنتجات التذكارية، ومواد التنظيف، والطاقة، والمياه، إضافة إلى النفايات التي تنتج عن حضور الجماهير وتشغيل الملاعب.
وتشير الفيفا في استراتيجيتها إلى أن إدارة هذه الموارد لم تعد قضية ثانوية، بل أصبحت جزءا من نجاح البطولة نفسها. لذلك التزمت بتشجيع المشتريات المستدامة، وتقليص المواد ذات الاستعمال الواحد، وتحسين فرز النفايات وإعادة تدويرها، والحد من هدر الأغذية، بما ينسجم مع مبادئ الاقتصاد الدائري.
الاستدامة تبدأ قبل صافرة البداية
قد يعتقد كثيرون أن الاستدامة تقتصر على إعادة تدوير النفايات بعد انتهاء المباريات، لكن التجربة الحديثة تثبت أن الأمر يبدأ قبل ذلك بوقت طويل.
فعند اختيار الموردين، تؤخذ معايير بيئية واجتماعية بعين الاعتبار. وعند تصميم الملاعب، يجري التفكير في كفاءة استهلاك الطاقة والمياه. وحتى الخدمات المقدمة للجماهير أصبحت مطالبة بتقليل الأثر البيئي قدر الإمكان.
غير أن الطريق ليس خاليا من التحديات. فقد أثار قرار منع إدخال القنينات القابلة لإعادة الاستخدام إلى بعض ملاعب البطولة، بدواع أمنية، نقاشا واسعا حول مدى التوفيق بين متطلبات السلامة وأهداف تقليص النفايات البلاستيكية. ويبرز هذا المثال أن تحقيق الاستدامة لا يقتصر على إعلان المبادئ، بل يقتضي اتخاذ قرارات متوازنة تراعي مختلف الاعتبارات.
هل تكفي الالتزامات وحدها؟
رغم أهمية استراتيجية الفيفا، يرى عدد من الباحثين والمنظمات البيئية أن نجاحها سيقاس بالنتائج الملموسة، لا بالوعود المعلنة. فالبطولات الرياضية الكبرى تبقى أحداثا تستهلك موارد ضخمة، ويصعب جعلها مستدامة بالكامل، خاصة مع تزايد أعداد الجماهير واتساع رقعة التنقل الدولي.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في إلغاء الأثر البيئي، بل في تقليصه إلى أدنى حد ممكن، وتعويضه من خلال تحسين إدارة الموارد، وتغيير أنماط الاستهلاك، وترك إرث إيجابي تستفيد منه المدن المستضيفة بعد انتهاء البطولة.
كرة القدم.. فرصة لتغيير السلوك
تكمن قوة كأس العالم في أنه يخاطب مليارات البشر في وقت واحد. ولذلك فإن أي ممارسة مستدامة تنجح داخل الملاعب يمكن أن تتحول إلى سلوك يومي خارجها.
فعندما يشاهد المشجعون عمليات فرز النفايات، أو استعمال الأكواب القابلة لإعادة الاستخدام، أو الحد من هدر الطعام، فإن البطولة تتحول من مجرد حدث رياضي إلى منصة عالمية لنشر ثقافة الاستهلاك المسؤول.
وهنا تتجلى قيمة الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو إلى إنتاج واستهلاك أكثر كفاءة، لأن الموارد الطبيعية ليست بلا حدود، ولأن كل قرار بسيط، سواء اتخذه منظم أو لاعب أو مشجع، يمكن أن يساهم في تقليل الأثر البيئي.
لقد أصبحت كرة القدم اليوم مطالبة بالفوز في مباراة أخرى لا تقل أهمية عن المنافسة داخل الملعب، وهي مباراة الاستدامة.



















عذراً التعليقات مغلقة