أحمد الطلحي: المباني الآيلة للسقوط خطر صامت يهدد الأرواح وذاكرة المدن

ECO1716 ديسمبر 2025
أحمد الطلحي: المباني الآيلة للسقوط خطر صامت يهدد الأرواح وذاكرة المدن
إيمان بنسعيد

الخطر لا يبدأ عند الانهيار، بل عند تأجيل القرار

 

لم يعد ملف المباني الآيلة للسقوط في المغرب موضوعا تقنيا يطرح فقط عند وقوع الحوادث، بل أضحى قضية حضرية وإنسانية تفرض نفسها مع كل فاجعة جديدة. وفاجعة حي المسيرة بمدينة فاس، التي خلفت 22 ضحية، أعادت إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول سلامة السكن، وحدود التدخل، وكيفية التوفيق بين حماية الأرواح والحفاظ على النسيج العمراني التاريخي.

وفي هذا السياق، قدم الخبير المغربي الدكتور أحمد الطلحي، المتخصص في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية، تصريحا لجريدة إيكو ECO 17، عرض فيه قراءة متوازنة لجذور الإشكال، داعيا إلى مقاربة تقوم على الاستباق والوقاية، وتراعي في الآن ذاته الأبعاد الاجتماعية والتراثية التي تميز المدن العتيقة بالمغرب.

إرث معماري واسع… لكنه مهدد بالتآكل

يؤكد أحمد الطلحي أن المغرب يتوفر على أكثر من 30 مدينة عتيقة، إلى جانب مئات القصبات والقرى التقليدية، وهي فضاءات تاريخية يعيش داخلها ملايين المواطنين، وتشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الثقافي والسياحي. غير أن هذا الإرث المعماري، حسب الطلحي، يعيش اليوم وضعية هشاشة متقدمة، لم تعد تحتمل مزيدا من التأجيل في المعالجة.

ويرجع الطلحي هذا التدهور المتسارع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها تضخم الكثافة السكانية فوق الطاقة الاستيعابية الأصلية للبنايات، وغياب الصيانة الدورية، والإضافات العشوائية للطوابق فوق مبان لا تتحمل أصلا أوزانا إضافية، فضلا عن ضعف الإمكانيات المادية للسكان، وتأثير الزمن وتقلبات الطقس.

وفي ظل هذه العوامل، يرى أن الانهيارات لم تعد أحداثا استثنائية، بل احتمالا قائما ما لم يتم اعتماد تدخلات وقائية وسريعة.

كما يشدد الخبير نفسه على أن ملف المباني الآيلة للسقوط لا يمكن التعامل معه باعتباره إشكالا تقنيا محضا، لأن جوهره يرتبط بمعادلة دقيقة تجمع بين بعدين أساسيين:

1- البعد الاجتماعي
يوضح الطلحي أن عددا كبيرا من الأسر القاطنة بهذه المباني ترفض مغادرتها، ليس بدافع الرفض المجرد، بل نتيجة غياب بدائل سكنية مناسبة. فالخيارات المتاحة غالبا ما تكون بعيدة عن أماكن العمل، أو لا تحترم نمط العيش التقليدي، أو تفوق القدرة الشرائية للأسر المعنية.
ومن هذا المنطلق، يدعو إلى اعتماد مقاربة إنسانية تضع السكان في صلب الحل، وتوفر لهم ضمانات حقيقية بدل الاكتفاء بإشعارات الإفراغ أو قرارات استعجالية غير مرفوقة بحلول مستدامة.

2- البعد التراثي
في المقابل، يحذر الطلحي من مخاطر الترميم غير المؤطر، الذي قد يؤدي إلى تشويه الهوية المعمارية للمدن العتيقة، كما يحذر من الإهمال الذي يتسبب في ضياع مبان ذات قيمة تاريخية وثقافية وفنية لا تعوض.

ويؤكد أن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده، بل صيانته وفق تدخلات تقنية محترفة تحترم الخصوصيات المعمارية والمواد الأصلية لكل بناية.

خبرة مغربية متراكمة… لكن بإمكانيات محدودة

في هذا السياق، يبرز الطلحي أن المغرب راكم تجربة طويلة في معالجة الدور الآيلة للسقوط والبنايات المتدهورة بصفة عامة، غير أن التحدي الأساسي لا يكمن في غياب المعرفة أو التأطير التقني، بل في محدودية الإمكانيات المادية والبشرية.

ويعتبر أن تجربة وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس تمثل المرجع الأبرز وطنيا في هذا المجال، وهي تجربة انطلقت منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، تحت إشراف رائد العمارة الإسلامية بالمغرب، الأستاذ المهندس عبد اللطيف الحجامي، مؤسس المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط.

ويشير الطلحي إلى أن هذه التجربة أسهمت في تكوين أجيال من المهندسين المعماريين، وكان لها دور محوري في بلورة مقاربة علمية للتدخل داخل المدن العتيقة.

كما يتوقف عند تجربة أحدث عهدا، تتمثل في الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط، التي تعنى بالبنايات المهددة بالانهيار، سواء كانت تاريخية أو حديثة.

وبحسب الطلحي، فإن توفر هذه المؤسسات يؤكد أن الخبرة التقنية قائمة، غير أن المطلوب هو رصد اعتمادات مالية كافية، وتوسيع دائرة الاستفادة من هذه الخبرة عبر تعميمها على المقاولات ومكاتب الدراسات.

كيف تحدد الأولويات داخل المدن العتيقة؟

يوضح أحمد الطلحي أن تحديد أولويات التدخل، خاصة داخل الأنسجة العمرانية العتيقة، يخضع لمجموعة من المعايير الدقيقة، في مقدمتها:

• الحالة الفيزيائية للبناية: هل التدهور بسيط، متوسط، أم أن البناية مهددة بالانهيار أو تحولت إلى خربة؟
• القيمة المعمارية للبناية: بسيطة، متوسطة، أو كبيرة.
• القيمة الثقافية والفنية: وفق نفس التدرج.
• القيمة التاريخية: وما تمثله البناية من ذاكرة حضرية.
وبناء على معادلات تقنية دقيقة، يتم تحديد نوع التدخل المناسب لكل بناية، وهو ما يندرج ضمن أربعة أنماط رئيسية:
• التجديد : ويشمل الهدم الكلي أو الجزئي ثم إعادة البناء.
• التدعيم : عبر تقوية العناصر البنيوية المهددة.
• رد الاعتبار : من خلال التجهيز والإصلاح وتحسين شروط العيش.
• الترميم: وهو تدخل دقيق أشبه بالعمليات الجراحية، يهدف إلى الحفاظ قدر الإمكان على الخصائص الأصلية للبناية، سواء من حيث العناصر المعمارية أو المواد المستعملة.

السكان في صلب كل تدخل

يشدد الطلحي على أن الأولوية القصوى في جميع أنواع التدخل تمنح للسكان القاطنين. ويتم ذلك عبر إيوائهم مؤقتا في بنايات مناسبة طيلة فترة الأشغال، ثم إعادتهم إلى نفس البناية بعد انتهاء التدخل.

وفي الحالات التي لا تتسع فيها البناية إلا لأسرة واحدة، ومع توفر الإمكانيات، يتم إعادة إسكان باقي الأسر في بنايات أخرى، ضمن ما يعرف بعملية التخفيض من الكثافة السكانية، باعتبارها شرطا أساسيا لاستدامة أي تدخل عمراني داخل المدن العتيقة.

وفي خلاصة تحليله، يؤكد أحمد الطلحي أن الحلول ممكنة وموجودة، وأن المغرب يتوفر على التجربة والخبرة التقنية، غير أن تفعيلها يظل رهينا بتعبئة موارد مالية وبشرية كافية، وتسريع وتيرة التدخل، والانتقال من منطق التدبير بعد وقوع الكوارث إلى منطق الوقاية والاستباق.

فبعد فاجعة فاس، لم يعد ملف المباني الآيلة للسقوط مجرد شأن تقني، بل قضية وطنية ملحة تمس سلامة المواطنين، وتحمل في الآن ذاته مسؤولية الحفاظ على ذاكرة عمرانية تشكل جزءا من هوية المغرب.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق