حل المغرب في المرتبة 100 عالميا من أصل 165 دولة في تقرير “المواطنة العالمية لسنة 2025” الصادر عن مؤسسة CS Global Partners، محققا 50.5 نقطة من أصل 100، ما يضعه ضمن الفئة “ذات التصنيف المتدني” من حيث قيمة الجنسية، وفقا لمقياس هذا المؤشر الدولي الذي يرصد جاذبية الجنسيات عبر العالم، بناء على مؤشرات متعددة لا تقتصر على قوة الجواز فقط.
ويعتمد التقرير على خمسة محاور محورية تقيس الجوانب المختلفة لقيمة الانتماء الوطني، وهي: جودة الحياة، الأمان والاستقرار، الفرص الاقتصادية، حرية التنقل، والحرية المالية. ويهدف إلى توفير أداة تقييم شاملة للمواطنين والمستثمرين لفهم قيمة الجنسية الوطنية، بما يتجاوز منطق حرية التنقل والسفر.
في محور الأمان والاستقرار، حصل المغرب على 52.7 نقطة، محتلا المرتبة 102 عالميا، وهو ما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية والتوترات الإقليمية في شمال إفريقيا، والتي تؤثر على ثقة المواطنين والمستثمرين في البيئة الأمنية والمؤسساتية للبلاد.
أما على مستوى الفرص الاقتصادية، فقد أحرز المغرب تقدما نسبيا محتلا المرتبة 59 عالميا، ويعزى هذا التقدم إلى السياسات الاقتصادية المنفتحة التي ينتهجها، خاصة في مجالات جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتطوير الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر، وهي قطاعات تراهن الدولة على جعلها رافعة استراتيجية للتنمية المستقبلية.
ومع ذلك، لا تزال حرية التنقل من أبرز التحديات، حيث يصنف جواز السفر المغربي ضمن الفئة متوسطة القوة، ما يحد من قدرة المواطنين على التنقل الدولي بدون تأشيرات. ويعد هذا العامل أحد أبرز المحددات في تشكيل قيمة الجنسية لدى العديد من المؤشرات العالمية، ما يطرح ضرورة مراجعة السياسات الدبلوماسية ذات الصلة.
في المقابل، لم يحقق المغرب نتائج تنافسية في محوري جودة الحياة والحرية المالية، نتيجة ضعف البنية التحتية الاجتماعية، واستمرار الفوارق في الخدمات الأساسية، خاصة في التعليم والصحة، مما يؤثر على مؤشرات الرفاه الفردي، وبالتالي على الشعور بالانتماء والكرامة المواطنة.
المغرب بين دول المنطقة: تقدم محدود في سياق تنافسي
على الصعيد العربي، حلت الإمارات العربية المتحدة في مراتب متقدمة ضمن الدول التي تحقق توازنا بين الاستقرار الاقتصادي وحرية التنقل، مستفيدة من قوة جواز سفرها، وتنويعها الاقتصادي، وقدرتها على استقطاب الكفاءات والاستثمارات. كما جاءت كل من قطر والسعودية في مراتب متوسطة عليا، خصوصا في محور الفرص الاقتصادية والحرية المالية، بفضل استراتيجيات التنويع الاقتصادي ومبادرات التحول الرقمي، مثل “رؤية السعودية 2030”.
في المقابل، تراجعت دول مثل لبنان، ليبيا، والسودان إلى مراتب دنيا، بسبب هشاشة أوضاعها السياسية والاقتصادية، وهو ما يعزز فرضية أن الاستقرار المؤسسي وجودة الحكامة يمثلان ركيزتين أساسيتين في بناء جنسية ذات قيمة مرتفعة، وهو ما يتعين على المغرب مراعاته في سياساته المقبلة.
إفريقيا، واصل المغرب تفوقه على غالبية دول القارة، بما في ذلك الجزائر، لكن دولا مثل جنوب إفريقيا وموريشيوس تفوقت في بعض المؤشرات الفرعية، خاصة في جودة الحياة والحرية المالية، ما يبرز الحاجة إلى تطوير النماذج الوطنية للرفاه والتنقل الاقتصادي.
توصيات ضمنية لتعزيز قيمة الجنسية المغربية
رغم أن التقرير لا يقدم توصيات مباشرة، إلا أن منهجيته تفترض أن تحسين التصنيف رهين بجملة من الإصلاحات الاستراتيجية، يمكن تلخيصها فيما يلي:
1. تعزيز جودة الحياة: عبر الاستثمار في التعليم والصحة والسكن والخدمات الاجتماعية، وتقليص الفوارق الجهوية، وتحسين مؤشرات العيش الكريم.
2. ضمان الأمان والاستقرار: من خلال تكريس سيادة القانون، وتحديث مؤسسات العدالة، وحماية الحقوق والحريات، وضمان استقرار الأداء الحكومي.
3. تحفيز الفرص الاقتصادية: بتوسيع قاعدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وخلق فرص العمل المنتجة، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، لا سيما في المجال القروي.
4. تحسين حرية التنقل: عبر تقوية الحضور الدبلوماسي المغربي، وتوقيع اتفاقيات ثنائية جديدة تعزز من حرية سفر المواطنين إلى مناطق اقتصادية استراتيجية.
5. تطوير البيئة المالية: بإصلاح النظام الجبائي، وتبسيط المساطر المتعلقة بالتحويلات والاستثمارات، وتكريس الشفافية المالية كمقوم للثقة.
يعكس ترتيب المغرب، في تقرير المواطنة العالمية لسنة 2025، مزيجا من المكاسب الهيكلية والتحديات المستمرة. وإذا كان تصدره الإقليمي مؤشرا على فعالية بعض السياسات، فإن تجاوزه لحاجز الأداء المتوسط يمر عبر مقاربة شاملة تعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتكرس المواطنة كعقد اجتماعي متجدد، يتجاوز الحدود الجغرافية نحو الأفق العالمي.




















عذراً التعليقات مغلقة