لم تعد حماية التنوع البيولوجي البحري مجرد قضية بيئية تهم العلماء والنشطاء، بل أصبحت مسألة وجودية تمس الأمن الغذائي والاقتصادي والاجتماعي، خاصة في بلدان مثل المغرب التي تواجه تحديات بيئية غير مسبوقة. ست سنوات متتالية من الجفاف، تصاعد درجات حرارة المياه، وتلوث ساحلي متزايد كلها عوامل تجعل من البحار اليوم جبهة رئيسية في معركة الاستدامة.
الإطار الدولي: من حرية البحار إلى حماية النظم البيئية
بدأ الوعي العالمي بأهمية حماية النظم البحرية منذ قرون، مع طرح مبدأ “حرية البحار” في القرن السابع عشر على يد هوغو غروتيوس، لكنه كان يركز على حرية الملاحة والتجارة دون الالتفات إلى الأبعاد البيئية. مع مرور الزمن، برزت اتفاقيات دولية مثل معاهدة صيد الحيتان (1946) واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982) التي أرست مبادئ متقدمة مثل “السيادة المقيدة”، لكنها تركت ثغرات في حماية أعالي البحار من الصيد الجائر والتلوث العابر للحدود.
في العقود الأخيرة، جاءت اتفاقية التنوع البيولوجي (1992) لتوسيع الرؤية نحو الاستخدام المستدام وتقاسم المنافع، لكن ضعف التمويل والتكنولوجيا لدى الدول النامية أعاق التنفيذ. أما أبرز تطور حديث فهو اتفاقية BBNJ (2023) لحماية التنوع البحري خارج حدود الولاية الوطنية، والتي تنص على إنشاء مناطق بحرية محمية وتقييمات بيئية إلزامية، لكنها ما تزال تنتظر مصادقة 60 دولة لدخول حيز التنفيذ.
وفي السياق ذاته، يظل هدف “30×30” العالمي – حماية 30% من المساحات البحرية والبرية بحلول 2030 – خطوة طموحة تواجه تحديات التمويل والقدرات التقنية.
الإطار الوطني المغربي: خطوات متقدمة ومؤشرات هشاشة
في المغرب، بدأت الجهود مبكرا بظهير 1921 لتنظيم الصيد البحري، ثم مدونة الصيد لسنة 1973. وفي العقود الأخيرة، تم إقرار قوانين بيئية محورية مثل القانون 11.03 لحماية البيئة، والقانون 28.00 لتدبير النفايات، والقانون الإطار 99.12 ، بمثابة ميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، وأخيرا القانون 81.12 (2015) حول تدبير الساحل.
تعززت هذه الترسانة القانونية بمخططات كبرى مثل “أليوتيس” (2010–2020) لتحديث أساطيل الصيد، والخطة الوطنية للتنوع البيولوجي (2016–2025)، وبرامج معالجة المياه العادمة الساحلية (2010–2025).
رغم هذه الإنجازات، تبقى أزمة السردين دليلا صارخا على هشاشة المنظومة البحرية، حيث تراجع المخزون في ميناء طنجة من 47 ألف طن سنة 2024 إلى 15 ألف طن سنة 2025، وفق تقارير المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري. ويشكل السردين ليس فقط غذاء أساسيا للفئات الهشة، بل أيضا عنصرا محوريا في السلسلة الغذائية البحرية.
تحديات بيئية
تفرض التغيرات المناخية تحديات إضافية؛ إذ أدت إلى ارتفاع درجات حرارة المياه وهجرة أنواع بحرية شمالا، بينما زاد الجفاف المستمر الضغط على الموارد البحرية بعد تراجع إنتاجية القطاعات الفلاحية. كما أن مشاريع تحلية مياه البحر، رغم كونها حلا لأزمة المياه، تثير مخاوف بيئية بسبب التصريفات المالحة، المواد الكيميائية، واستهلاك الطاقة العالية.
إن حجم التحديات يستدعي رؤية أكثر تكاملا توازن بين حماية البيئة والتنمية الاقتصادية، وتجعل من البحار موردا مضافا للحياة وليس عبئا عليها. تحقيق ذلك يتطلب تنفيذ التزامات الاتفاقيات الدولية بفعالية، تنسيق السياسات الوطنية، والانفتاح على حلول مبتكرة مثل الاعتماد على الطاقات المتجددة في مشاريع التحلية، وتحسين تقنيات التصريف للحد من آثارها.
اقتراحات
• إجراء تقييمات بيئية دقيقة لمحطات التحلية قبل وأثناء التشغيل.
• اعتماد الطاقات المتجددة لتقليل البصمة الكربونية.
• تعزيز الشبكات الدولية والوطنية للمناطق البحرية المحمية.
• إشراك المجتمع المدني والفاعلين المحليين في جهود الحماية.
• دعم البحث العلمي لتطوير تقنيات صديقة للبيئة في تحلية المياه.
كما قال تعالى: “وجعلنا من الماء كل شيء حي” [الأنبياء: 30]، فحماية البحار ليست رفاهية بل ضرورة لضمان استمرارية الحياة للأجيال القادمة.






















عذراً التعليقات مغلقة