تتحرك كتل الجليد فجأة بسرعة جنونية، في ظاهرة صامتة وخطيرة تزداد حضورا مع تغير المناخ
تشهد الأنهار الجليدية في مناطق متعددة من العالم ظاهرة غريبة تعرف باسم الاندفاع الجليدي، وهي حركة سريعة ومفاجئة للكتلة الجليدية بعد سنوات من السكون. تختلف هذه الظاهرة عن الذوبان التدريجي المعتاد، إذ تتقدم خلالها الأنهار الجليدية بعشرات أو مئات الأمتار يوميا، وهو ما يجعلها محط اهتمام متزايد لدى الباحثين في علم الجليد والمناخ.
تتحول الأنهار الجليدية في مرحلة الاندفاع إلى كتل ضخمة من الجليد المنزلق، تكتسح الصخور والسهول وتعيد تشكيل تضاريس الجبال. وتبدأ هذه الظاهرة عادة بعد فترة طويلة من التراكم الهادئ، حيث تتزايد كتلة الجليد في أعالي النهر دون أن تتحرك كثيرا، قبل أن ينهار التوازن فجأة وتنطلق الكتلة نحو الأسفل بقوة دفع جبارة.
وتعتمد آلية الاندفاع الجليدي على عدة عوامل متداخلة. يتسبب ذوبان قاع النهر الجليدي في تقليل الاحتكاك مع الأرض، مما يسمح للجليد بالانزلاق بسهولة. وتساهم الرواسب الطينية أو الطبقات المائية الموجودة تحت النهر في تعزيز الانزلاق، خصوصا عندما يترافق ذلك مع زيادة في الضغط الداخلي أو ارتفاع درجات الحرارة.
كما تظهر الدراسات الحديثة أن بعض الأنهار الجليدية تمتلك أنماطًا دورية من الاندفاع، إذ تدخل في دورة تمتد لعقود من السكون، تليها فترة قصيرة من الحركة العنيفة. وتسجل هذه الاندفاعات غالبا في مناطق مثل جبال الهيمالايا، وألاسكا، وسفالبارد، وأيسلندا، وكاراكورام، حيث تتوفر الظروف المناسبة لتكون هذه الظاهرة.
وتخلف ظاهرة الاندفاع الجليدي كذلك آثارا بيئية عميقة،بحيث يتسبب تدفق الجليد السريع في تكوين بحيرات جليدية مؤقتة في الوديان، التي قد تنفجر فجأة وتطلق فيضانات مدمرة تعرف باسم “glacial lake outburst floods”. كما أن هذه الاندفاعات تسرع من ذوبان الجليد وتساهم بشكل غير مباشر في ارتفاع منسوب مياه البحر، ما يجعلها عاملا مهما في تقييم المخاطر المناخية المستقبلية.
بالإضافة إلى ما سبق، تواجه جهود المراقبة تحديات كبيرة بسبب صعوبة التنبؤ بموعد وقوع الاندفاع الجليدي، مما يزيد من أهمية البحث العلمي في هذا المجال. ويؤكد العلماء أن الحاجة ماسة إلى تطوير نماذج إنذار مبكر قادرة على رصد مؤشرات الاندفاع قبل وقوعه، وخاصة في المناطق التي يقطنها سكان قريبون من الوديان الجليدية.
تكشف هذه الظاهرة عن هشاشة التوازن الجليدي، وتبرز كيف يمكن للطبيعة أن تنقلب فجأة دون إنذار. وبينما يستمر النقاش العالمي حول آثار التغير المناخي، تلوح الأنهار الجليدية برسائلها البيضاء الصامتة، وتذكرنا بأن بعض الأخطار لا تأتي من الذوبان فقط… بل من الانفجار.




















عذراً التعليقات مغلقة