بين الرحمة وتجريم المساعدة: مشروع قانون حول الحيوانات الضالة يثير الجدل

ECO1720 أغسطس 2025
بين الرحمة وتجريم المساعدة: مشروع قانون حول الحيوانات الضالة يثير الجدل
إيمان بنسعيد

حين يمنع الإنسان من إطعام قطة جائعة أو علاج كلب مصاب، لا نخسر الحيوان فقط، بل نخسر إنسانيتنا.

أثار مشروع القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها جدلا واسعا منذ الكشف عن مضامينه، لما يحمله من مستجدات غير مسبوقة في طريقة تعامل الدولة والمجتمع مع هذه الكائنات. فالمشروع يفرض على أصحاب الحيوانات أو حراسها التصريح بها والحصول على رقم تعريفي رسمي، مع التزامات دقيقة تخص العناية الصحية والوقاية من الأمراض ومنع تجوال الحيوانات دون مراقبة. كما يتضمن عقوبات مالية ثقيلة قد تصل إلى خمسين ألف درهم في حال مخالفة المقتضيات القانونية.

وقد نصت بعض فصول المشروع على إحداث مراكز إيواء رسمية لتكفل الحيوانات الضالة بالعلاج والطعام والإيواء في ظروف مناسبة، تحت إشراف السلطات المختصة. غير أن المادة الخامسة جاءت صادمة حين نصت بوضوح على أنه “لا يجوز لأي شخص أن يقوم برعاية حيوان ضال سواء بإيوائه أو إطعامه أو علاجه”. هذا التناقض يفتح الباب أمام وضع إشكالي: فحتى لو افترضنا وجود المراكز، هل يعقل أن يمنع المواطن من تقديم مساعدة أولية لحيوان جائع أو مصاب صادفه في الشارع؟ وهل من المنطقي أن نترك الحيوان يموت عطشا أو مرضا لمجرد أن المأوى بعيد أو غير موجود ؟

ويصطدم هذا المنع قبل كل شيء بقيم المجتمع المغربي الدينية والإنسانية. قال الله تعالى في كتابه الكريم “وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم” (الأنعام: 38)، وهو تذكير بأن الحيوانات أمم لها حقها في الحياة مثلنا. والرسول ﷺ أوصى بقوله: “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”، كما حذّر من القسوة في الحديث المشهور عن المرأة التي حبست هرة حتى ماتت، فدخلت بسببها النار. هذه النصوص تجعل من رعاية الحيوان وإطعامه أو علاجه واجبا أخلاقيا ودينيا، لا خيارا ثانويا يمكن تجريمه.

ويرى المؤيدون أن الهدف من هذا المنع هو حماية المواطنين من أخطار الأمراض مثل السعار والوقاية من العدوى، وهو أمر مشروع. لكن المنتقدين يعتبرون أن المقاربة جاءت قاصرة، لأنها تجرّم مبادرات إنسانية بسيطة بدل أن تشجع على المسؤولية المشتركة. فالقانون في صيغته الحالية يضع المواطن أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما أن يتجاهل الحيوان الجائع أو المصاب ويتركه للموت، أو يخاطر بصحته ويتعرض للمساءلة القانونية إذا ساعده بدافع الرحمة.

الأجدر أن يكون القانون داعما لا مانعا، وأن يحوِّل تعاطف المواطن إلى مبادرة منظمة؛ تشمل تقديم المساعدة الأولية للحيوان إذا لم يكن هناك خطر أو علامات السعار على الحيوان، مع إلزامية التبليغ الفوري للسلطات أو المراكز المعتمدة. فالقانون العادل ليس الذي يغلق أبواب الرحمة، بل الذي يفتحها في إطار مسؤول ومنظم، يحمي الصحة العامة ويضمن في الآن ذاته كرامة الحيوان وحقه في الحياة.

إن المغرب اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما أن يخرج بنص متوازن يحقق الوقاية الصحية ويحافظ على قيم الرحمة التي أوصى بها الدين الحنيف، أو يكرس نصا جامدا يجرّم المبادرات الإنسانية باسم حماية الصحة العامة. وفي النهاية، يظل التعامل مع الحيوان مرآة لمدى رقي المجتمع وإنسانيته، فكلما ضاقت الصدور عن استيعاب الرحمة، خسرنا الامتحان الأكبر.

لا يتوقف النقاش حول مشروع القانون رقم 19.25 عند حدوده الداخلية، بل يتجاوزها إلى أسئلة أوسع تتعلق بكيفية انسجامه مع المرجعيات الحقوقية والمواثيق الدولية التي تعترف بكرامة الحيوان وحقه في الرعاية. وهنا يفتح المجال لمقارنة أعمق بين ما يقترحه التشريع الوطني وما تكرسه القوانين الدولية من مبادئ ومعايير، وهو ما يستحق تناولا خاصا في مقال لاحق.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق