يحاصر حرارة الأرض بكفاءة مدمرة، ويسرع الاحترار العالمي بأضعاف ما يفعله ثاني أكسيد الكربون.
تعيش الأرض على وقع تغيرات مناخية متسارعة تهدد استقرار الأنظمة البيئية والاقتصادية والاجتماعية على حد سواء؛ فقد ساهم التراكم التاريخي لانبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن النشاط البشري، خصوصا منذ الثورة الصناعية، في رفع متوسط درجات الحرارة بشكل ملحوظ.
وبينما يعزى الجزء الأكبر من هذه الانبعاثات إلى غاز ثاني أكسيد الكربون، تشير الدراسات الحديثة إلى أن غاز الميثان يعد أكثر فاعلية في حبس الحرارة، وهو ما يجعل دوره حاسما في تفاقم الأزمة المناخية خلال العقود القادمة.
ويتمثل الخطر الأكبر في كون الميثان غازا قصير العمر نسبيا في الغلاف الجوي (قرابة 12 سنة)، لكنه خلال هذه الفترة يحتجز حرارة تفوق ثاني أكسيد الكربون بنحو 80 مرة، ما يعني أن تقليل انبعاثاته يمكن أن يحدث أثرا سريعا في تباطؤ الاحترار العالمي.
الخصائص العلمية لغاز الميثان
يعد الميثان CH₄ أبسط الهيدروكربونات، ويتكون من ذرة كربون واحدة مرتبطة بأربع ذرات هيدروجين، ويصنف ضمن الغازات العضوية القابلة للاشتعال، عديم اللون والرائحة في حالته النقية. ويتميز بوزنه الجزيئي الخفيف الذي يصل لحوالي 16 غ/مول، وقدرته العالية على احتجاز الحرارة في الغلاف الجوي، ما يجعله أحد أقوى غازات الدفيئة قصيرة الأجل.
يطلق الميثان طاقة حرارية كبيرة عند احتراقه في وجود الأوكسجين، وفق المعادلة الكيميائية:CH₄ + 2O₂ → CO₂ + 2H₂O + طاقة حرارية، وفي حال تسربه إلى الجو دون احتراق، يتحول إلى عامل احترار أقوى بـ80 مرة من ثاني أكسيد الكربون خلال فترة زمنية قدرها 20 سنة، قبل أن يتحلل تدريجيا بفعل تفاعله مع الجذور الهيدروكسيلية (OH•) في الغلاف الجوي السفلي.
ورغم أن مدة مكوثه في الجو قصيرة نسبيا، حيث تتراوح بين 9 و12 سنة، فإن تأثيره الحراري الكثيف يصنف الميثان ضمن الغازات ذات “الإشعاع الحراري العالي”، أي تلك التي تمتص وتعيد بث الإشعاع الحراري الأرضي بشكل فعال، مما يعزز ظاهرة الاحتباس الحراري.
مصادر انبعاثات الميثان وتنوعها
ينبعث الميثان من مزيج من المصادر الطبيعية والأنشطة البشرية. وتشير التقديرات إلى أن نحو 40% من انبعاثاته مصدرها الطبيعة، لا سيما الأراضي الرطبة التي تحتضن بكتيريا لاهوائية تحلل المواد العضوية وتنتج هذا الغاز. أما الـ60% المتبقية، فتعود لأنشطة بشرية مثل الزراعة وتربية المواشي والتخلص من النفايات وإنتاج الغاز الطبيعي.
وتعد الثروة الحيوانية من أهم مصادر الانبعاثات الزراعية، إذ تطلق الحيوانات المجترة مثل الأبقار والماعز كميات كبيرة من الميثان من خلال عملية الهضم، خاصة أثناء التجشؤ، إضافة إلى الانبعاثات الناتجة عن روثها. وتنتج أيضا حقول الأرز، عند غمرها بالماء، بيئة مثالية لتحلل المواد العضوية وإطلاق الميثان.
من جانب آخر، تتسبب أنشطة استخراج الوقود الأحفوري، من نفط وغاز وفحم، في تسرب كميات كبيرة من الميثان أثناء عمليات الحفر والنقل. كما تعد مطارح النفايات مصدرا رئيسيا آخر، بسبب تحلل النفايات العضوية في غياب الأوكسجين.
تداعيات ذوبان الجليد على انبعاثات الميثان
أدى تسارع الاحترار العالمي إلى ذوبان أجزاء كبيرة من الجليد في القطب الشمالي ومناطق التندرا المجمدة. وتكمن الخطورة في أن هذه الطبقات الجليدية كانت تحبس في طياتها كميات ضخمة من الكربون والميثان المتجمد منذ آلاف السنين. وعندما يذوب الجليد، تتنشط البكتيريا اللاهوائية وتطلق الميثان في الغلاف الجوي على شكل فقاعات أو انفجارات غازية قد تشاهد على سطح البحيرات المتجمدة.
وتقدر كمية الكربون المخزنة في المناطق المتجمدة بأكثر من 1000 غيغاطن Gigaton، وهي كمية كفيلة بتغيير المسار المناخي للأرض إذا ما تحررت بشكل سريع. وقد أظهرت مراقبة الأقمار الصناعية والمسوحات الميدانية وجود تسريبات نشطة للميثان في مناطق مثل ألاسكا وغرينلاند، مما يشير إلى أن العالم أمام سيناريو يسمى “التغذية الراجعة الإيجابية”، حيث يسرع الاحترار من انبعاث الميثان، ما يؤدي بدوره إلى مزيد من الاحترار.
آفاق تقليص انبعاثات الميثان وحلول الزراعة المستدامة
رغم خطورة الميثان، تعد السيطرة على انبعاثاته أسهل نسبيا من السيطرة على ثاني أكسيد الكربون، لكونه قصير العمر. ولهذا السبب، وقعت أكثر من 150 دولة على “التعهد العالمي بشأن الميثان” خلال مؤتمر الأطراف COP26 في غلاسكو، بهدف خفض الانبعاثات بنسبة 30% على الأقل بحلول سنة 2030.
ويبرز القطاع الزراعي بوصفه ركيزة أساسية في هذا المسعى. حيث يعمل الصندوق الدولي للتنمية الزراعية IFAD على دعم مبادرات خضراء في بلدان مثل قيرغيزستان وكينيا ورواندا وكمبوديا، تركز على تحسين تغذية المواشي، وتوسيع استخدام الهاضمات الحيوية التي تحول الروث إلى طاقة، وتطوير تقنيات زراعة الأرز التي تستخدم مياها أقل وتنتج انبعاثات أقل.
كما يظهر نموذج GLEAM-i، الذي طورته منظمة الأغذية والزراعة، أن تقنيات الزراعة الذكية مناخيا قادرة على تقليل الانبعاثات بنسبة تصل إلى 17%، مع تحسين العوائد الغذائية والاقتصادية للمزارعين.
الميثان في صلب أجندة مؤتمر COP29
سلط مؤتمر الأطراف التاسع والعشرون، الذي انعقد في باكو، الضوء مجددا على الخطر المتسارع لغاز الميثان، حيث تبنت أكثر من 30 دولة “إعلان تقليل انبعاثات الميثان من النفايات العضوية”، والتزمت بإدراج أهداف واضحة في مساهماتها المحددة وطنيا NDCs.
كما شهد المؤتمر تخصيص أكثر من 500 مليون دولار لدعم مشاريع الحد من انبعاثات الميثان، إلى جانب الإعلان عن شراكات تقنية لرصد التسربات الغازية من قطاع الطاقة باستخدام الأقمار الصناعية، في خطوة تعزز الشفافية والمساءلة المناخية.
يمثل تقليص انبعاثات الميثان فرصة سريعة ومجدية لإبطاء التغير المناخي، خاصة أن تأثيره يظهر على المدى القصير. ومع تكاثف الجهود الدولية والمحلية، وتوجيه الاستثمارات نحو الزراعة المستدامة والتكنولوجيا النظيفة، يمكن للعالم كسب وقت ثمين في معركته المصيرية ضد الاحترار العالمي.






















عذراً التعليقات مغلقة