المناخ يهدد ثلثي مواقع التراث الثقافي في العالم

ECO171 نوفمبر 2025
المناخ يهدد ثلثي مواقع التراث الثقافي في العالم
إيمان بنسعيد

كشفت دراسة أممية حديثة، صادرة في مجلة Communications Eart  & Environment، أن 80% من مواقع التراث الثقافي العالمي المسجلة لدى اليونسكو تعاني بالفعل من إجهاد مناخي متصاعد، فيما تواجه واحدة من كل خمس مواقع، أي حوالي 19%، خطرا مباشرا على مادتها الأساسية، سواء كانت من الحجر أو الخشب.

ووفق الدراسة، التي قادها فريق من جامعة قويتشو الصينية برئاسة البروفيسور هاييانغ كوي Haiyang Cui، فإن مواقع التراث تتعرض اليوم لدورات حرارية ورطوبية تتجاوز قدرة المواد الأصلية على الصمود. فالحجر يتفتت تحت وطأة التذبذبات المفاجئة في درجات الحرارة، والمواد العضوية كالخشب تتشقق وتتعفن مع تكرار الرطوبة والجفاف.

اعتمد الباحثون على نماذج ثلاثية الأبعاد دقيقة لرسم خريطة لمستوى الإجهاد المناخي الثقافي عبر ثلاث مراحل زمنية:الماضي (1961–1990)، و الحاضر (2010–2040)، ثم المستقبل (2070–2100).

وقد تبين أن الأضرار لا تنتظر المستقبل، بل بدأت بالفعل منذ منتصف القرن العشرين، لتتحول كثير من المعالم التاريخية إلى ضحايا بطيئة لحرارة تتزايد كل سنة.

من بين أكثر النتائج إثارة في الدراسة ما وصفه الباحثون ب”الهوة المناخية بين الشمال والجنوب في حفظ التراث الثقافي. فبينما يتركز أكثر من 40% من المواقع المتأثرة في أوروبا وأمريكا الشمالية، فإن التهديدات الأشد والأكثر استعصاء تقع في الجنوب العالمي، حيث ترتفع درجات الحرارة وتتسارع التقلبات الرطوبية في المناطق المدارية وشبه القاحلة، وسط غياب الموارد التقنية والمالية اللازمة للترميم.

يشرح البروفيسور هاييانغ كوي أن طبيعة المناخ الإقليمي هي المحدد الأول للخطر المناخي :

  • في المناطق الساحلية الرطبة مثل المغرب والبرازيل والصين، تتسارع عوامل التآكل بسبب رذاذ الملح والعواصف البحرية.
  • في المناخات المدارية الموسمية كجنوب شرق آسيا، تتعرض المعابد الحجرية مثل أنغكور Angkor في كمبوديا وبوروبودور Borobudur Temples في إندونيسيا لحرارة عالية ورطوبة مفرطة تؤدي إلى نمو النباتات الطفيلية وجذور متسللة تدمر الأساسات من الداخل.
  • أما في المناطق الجافة، كالمنطقة العربية، فإن تعاقب الحر الشديد والجفاف يسبب التمدد والانكماش الحراري في مواد البناء، ما يؤدي إلى تشقق الجدران الطينية والحجرية، كما هو الحال في مجمعات أصفهان بإيران أو المدن القديمة في المغرب واليمن.

تكشف البيانات أن السيناريو المناخي منخفض الانبعاثات قد ينقذ نحو 40% من المواقع المهددة إذا تم الالتزام فعلا بخفض الاحترار دون 1.8 درجة مئوية (1.8°C).

لكن العالم يسير فعليا على مسار الانبعاثات المتوسطة، أي نحو 2.7 إلى 3 درجات مئوية (2.7–3°C) بحلول عام 2100، وهو ما يعني أن معظم مواقع التراث في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ستواجه تلفا متزايدا لا يمكن عكسه.

وتشير الدراسة  السالفة الذكر كذلك، إلى أن المواد ليست متساوية في معركتها مع المناخ: فالحجر يتحمل نسبيا تقلب الحرارة، لكنه ينهار تدريجيا تحت تأثير الرطوبة وتكرار البلل والجفاف، بينما الخشب يفسد بسرعة أكبر لكنه يحتفظ بقدرة أفضل على الترميم إذا توافرت العناية التقنية.

ويؤكد الباحثون أن هذه الفوارق تفسر لماذا لا توجد استراتيجية موحدة لحماية التراث العالمي، فكل منطقة تحتاج إلى مقاربة خاصة  تستند إلى خصائصها المناخية والمواد المكونة لمبانيها.

إنقاذ الذاكرة الإنسانية بين العدالة المناخية والمسؤولية المشتركة

تحذر نفس الدراسة من أن أزمة المناخ لا تهدد الموارد الطبيعية فقط، بل تضرب جوهر الهوية الإنسانية، لأن ضياع التراث يعني ضياع الذاكرة المشتركة للبشرية.

وفي الوقت الذي تمتلك فيه دول الشمال القدرات التقنية والمالية لحماية مواقعها التاريخية، تعاني دول الجنوب من فجوات هائلة في الرصد والصيانة والتوثيق.

ويقترح فريق البحث تصورا عمليا لما يسميه العدالة المناخية الثقافية، من خلال:

  1. تخصيص نافذة تمويل دولية لحماية التراث ضمن صندوق الخسائر والأضرار التابع للأمم المتحدة، موجهة خصوصا للدول منخفضة الدخل.
  2. إدراج التراث الثقافي في الصندوق الأخضر للمناخ حتى تتمكن الحكومات من تمويل برامج الوقاية وإعادة التأهيل.
  3. إنشاء “مختبرات طائرة ” تضم خبراء ومهندسين محافظين على التراث من مؤسسات مثل ICOMOS وICCROM، تجوب المناطق الفقيرة لتوفير التدريب والتوثيق بتقنيات المسح ثلاثي الأبعاد وأجهزة الاستشعار البيئي الدقيقة.

ويؤكد الباحثون أن “المناخ لا يعرف حدودا، وأن خسارة موقع تراثي في إفريقيا أو آسيا هي خسارة للإنسانية جمعاء.”وتضيف الدراسة أن الوقت يضيق؛ فكل سنة من التأخر في خفض الانبعاثات تعني زيادة في احتمالات اختفاء معالم فريدة من تاريخ الحضارة.

إن ما تكشفه هذه الدراسة ليس مجرد هشاشة مبان قديمة، بل هشاشة نظام عالمي يترك ذاكرته تنهار أمام عجزه عن كبح الانبعاثات. فكل تأخير في العمل المناخي هو أيضا تأخير في إنقاذ هوية الحضارة. إن حماية التراث الثقافي يجب أن تصبح جزءا من إستراتيجيات التكيف المناخي، لأن خسارته ليست خسارة للماضي، بل للوعي الإنساني بالمستقبل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق