بحسب التقرير الإحصائي الجديد الصادر، اليوم، عن المندوبية السامية للتخطيط بعنوان المرأة المغربية في أرقام 2025، تتجلى صورة المرأة المغربية في مرآة الواقع التنموي بكل تناقضاته: خطوات ثابتة نحو الإنصاف والمشاركة، يقابلها بطء في سد فجوات التعليم، والتمكين الاقتصادي، والتمثيلية السياسية. فالأرقام تكشف أن التحول حاصل، لكنه لم يبلغ بعد عمقه الاجتماعي الكامل.
في التعليم، تواصل الفتيات تحقيق مكاسب نوعية. فقد بلغت نسبة التمدرس في صفوف الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 6 و11 سنة 99.2 في المائة سنة 2024، مقابل 98.7 في المائة لدى الذكور، ما يعكس شبه تكافؤ في التعليم الابتدائي. كما ارتفعت نسبة التمدرس في السلك الإعدادي إلى 92.1 في المائة لدى الفتيات، مقابل 90.3 في المائة لدى الذكور، بينما بلغت في الثانوي التأهيلي 78.6 في المائة للفتيات مقابل 73.4 للذكور. وتشير المندوبية إلى أن الفتيات أصبحن يمثلن 56 في المائة من مجموع الطلبة الجامعيين. غير أن هذه المكاسب تخفي تباينات مجالية حادة، إذ تبلغ نسبة الانقطاع الدراسي في الوسط القروي 8.5 في المائة لدى الفتيات مقابل 3.2 في المائة في المدن، بسبب ضعف البنيات التحتية وبعد المؤسسات التعليمية عن القرى.
أما في سوق الشغل، فلا تزال مشاركة النساء محدودة رغم ارتفاع مستوى تأهيلهن. إذ لم تتجاوز نسبة النشاط النسوي 25.3 في المائة سنة 2024، مقابل 69.7 في المائة لدى الرجال، في حين بلغت نسبة البطالة في صفوف النساء 17.2 في المائة مقابل 10.1 في المائة لدى الرجال. وتصل بطالة الحاصلات على الشهادات العليا إلى 28.6 في المائة. وتعكس هذه المؤشرات استمرار هيمنة الطابع غير المهيكل على عمل النساء، حيث تعمل 62 في المائة منهن في أنشطة غير مصرح بها لدى الصناديق الاجتماعية. وتوضح المندوبية أن هذه المحدودية لا تعود إلى ضعف الكفاءة، بل إلى ما تسميه العوائق غير المرئية المرتبطة بالتمثلات الاجتماعية والتنظيمية داخل المقاولات، ما يحيل على ما يعرف في علم الاجتماع المهني بـالسقف الزجاجي، الذي يمنع النساء من بلوغ مناصب القرار رغم توفر الكفاءة. وتعلق المندوبية بأن نسبة النساء ضمن المناصب العليا لا تتعدى 17 في المائة على المستوى الوطني.
في الصحة، تسجل المؤشرات تحسنا ملحوظا، حيث بلغت نسبة الولادات تحت إشراف طبي 91 في المائة سنة 2024 مقابل 70 في المائة سنة 2011، وتراجعت وفيات الأمهات إلى 50 حالة لكل مئة ألف ولادة حية. كما ارتفعت نسبة النساء المستفيدات من التغطية الصحية الأساسية إلى 74.3 في المائة، بعد دخول ورش الحماية الاجتماعية مرحلة التنفيذ. وتعتبر المندوبية أن هذه التطورات تعكس أثر السياسات الصحية التوسعية، لكنها تحذر في الوقت نفسه من استمرار الفوارق الترابية، إذ لا تتعدى نسبة الولوج إلى خدمات الرعاية في المناطق القروية 58 في المائة، مقابل 85 في المائة في المدن، مع استمرار ضعف ولوج النساء إلى خدمات الصحة النفسية والإنجابية.
أما في التمثيلية السياسية، فقد شكلت انتخابات 2021 نقطة تحول، إذ بلغت نسبة النساء في مجلس النواب 24.3 في المائة، وفي الجماعات الترابية 27.7 في المائة. كما ارتفعت نسبة النساء في الوظائف العليا إلى 19 في المائة سنة 2024. وتعتبر المندوبية أن هذا التطور “نتيجة مباشرة للإصلاحات القانونية وسياسة الكوطا”، لكنها تشير إلى أن المشاركة السياسية الفعلية للنساء داخل الأحزاب ما تزال محدودة، إذ لا تتجاوز نسبة النساء في المكاتب السياسية للأحزاب الوطنية 13 في المائة. وهو ما يطرح سؤال الانتقال من التمثيل العددي إلى التمكين الفعلي.
في مجال الحماية الاجتماعية، استفادت النساء بشكل متزايد من برامج الدعم المباشر والتغطية الصحية. فقد بلغ عدد المؤمنات في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي 1.7 مليون امرأة سنة 2024، أي بزيادة قدرها 28 في المائة مقارنة بعام 2020. ومع ذلك، تظل فئات واسعة من النساء في وضعية هشاشة، خصوصا الأرامل والمسنات والعاملات المنزليات، أقل استفادة، إذ إن 61 في المائة من النساء العاملات لا يتوفرن على أي تغطية تأمينية. وتوضح المندوبية أن “الفجوة بين المدن والقرى لا تزال قائمة رغم تسارع الإصلاح الاجتماعي”.
أما ظاهرة العنف ضد النساء، فرغم بعض التراجع، ما تزال مثار قلق، حيث سجلت المندوبية أن 57.5 في المائة من النساء تعرضن لشكل من أشكال العنف خلال حياتهن، مقابل 58 في المائة سنة 2019. ويتصدر العنف النفسي القائمة بنسبة 49.1 في المائة، يليه العنف الاقتصادي بنسبة 16.7، ثم الجسدي بنسبة 14.3. ويظل الوسط الزوجي الإطار الأبرز لهذه الاعتداءات بنسبة 52 في المائة. وتعلق المندوبية بأن “القانون 103.13 ساهم في رفع الوعي العام بالعنف الأسري، لكنه لم يحد بعد من السلوكيات المكرسة له ثقافيا”.
تؤكد هذه الأرقام أن المغرب يسير بثبات في مسار تمكين المرأة، إلا أن الطريق لا يزال طويلا نحو تحقيق المساواة الفعلية. فكما تقول المندوبية في تعليقها الختامي، “التقدم الكمي لا يكتمل إلا بتحول نوعي في العقليات والسياسات”. فالمؤشرات، وإن تحسنت في الكم، تحتاج إلى ترجمة نوعية تعيد رسم ملامح الإنصاف في التعليم والعمل والكرامة.




















عذراً التعليقات مغلقة