الصندوق الأسود للأرض.. ذاكرة مناخية لتوثيق ما نفعله بالكوكب

ECO1721 يونيو 2026
الصندوق الأسود للأرض.. ذاكرة مناخية لتوثيق ما نفعله بالكوكب
خديجة مبتسم

بعد سنوات من الإعلان عنه، عاد مشروع “الصندوق الأسود للأرض” إلى الواجهة، بعدما تأكد انتقاله من مرحلة الفكرة الرمزية إلى مرحلة التنفيذ العملي في ولاية تسمانيا الأسترالية. والمشروع، رغم اسمه المثير، لا يتعلق بحفظ “أسرار البشرية” بالمعنى الغامض أو الخيالي، بل يهدف أساسا إلى إنشاء سجل دائم يوثق مسار الأزمة المناخية، وما اتخذته الحكومات والمجتمعات من قرارات في مواجهتها أو في تأجيل التعامل معها.

تقوم الفكرة على تشبيه مباشر بالصندوق الأسود للطائرات؛ فكما تستعمل بيانات الطائرة لفهم أسباب الحوادث بعد وقوعها، يراد لهذا المشروع أن يحتفظ بذاكرة مناخية وبيئية للأرض، تشمل مؤشرات علمية مثل تركيز ثاني أكسيد الكربون، وارتفاع درجات الحرارة، وتحمض المحيطات، وفقدان التنوع البيولوجي، إلى جانب الأخبار والتصريحات والقرارات السياسية المرتبطة بالمناخ.

وسيقام الصندوق قرب مدينة كوينزتاون في تسمانيا، داخل منطقة اختيرت بسبب بعدها النسبي واستقرارها الجيولوجي والسياسي. ويتخذ المشروع شكل هيكل فولاذي ضخم مثبت فوق قاعدة صخرية، ومصمم لتحمل ظروف قاسية مثل الحرائق والفيضانات والعواصف. كما يفترض أن يعمل بالطاقة الشمسية، وأن يخزن البيانات لفترات طويلة.

غير أن الدقة تقتضي التمييز بين أمرين: فالنظام الرقمي لجمع البيانات بدأ منذ الإعلان عن المشروع خلال مؤتمر المناخ COP26 سنة 2021، أما المنشأة المادية نفسها فلم تكن قد اكتملت خلال السنوات الماضية. ووفق المعطيات الحديثة، يرتقب أن تبدأ أعمال البناء الميدانية خلال السنة الجارية، مع توقع تركيب الهيكل النهائي في دجنبر القادم إذا احترم الجدول الزمني المعلن.

وتكمن أهمية المشروع في كونه لا يكتفي بتخزين أرقام ومؤشرات بيئية، بل يسعى إلى وضعها داخل سياقها السياسي والإعلامي؛ أي تسجيل ما كانت تعرفه البشرية علميا، وما كانت تفعله عمليا. لذلك يمكن النظر إلى “الصندوق الأسود للأرض” باعتباره أداة رمزية للمساءلة المناخية، ورسالة موجهة إلى الحاضر قبل المستقبل: هل ستترك البشرية سجلا عن قدرتها على إنقاذ الكوكب، أم وثيقة إدانة لتقاعسها؟

ورغم طابعه العلمي والتقني، لا يخلو المشروع من بعد فني واتصالي واضح، إذ تشارك فيه جهات إبداعية ومعمارية وبيئية. وهذا ما جعل بعض المتابعين يتساءلون في السنوات الماضية إن كان المشروع مبادرة علمية مكتملة أم حملة رمزية للضغط المناخي. لكن عودة الحديث عن بدء الأشغال تعطيه اليوم زخما جديدا، وتجعله واحدا من أكثر المشاريع غرابة في تقاطع التكنولوجيا والبيئة والذاكرة الإنسانية.

إنه ليس نبوءة بنهاية العالم، ولا خزنة لأسرار البشر، بل محاولة لتوثيق مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب. قيمته الحقيقية لا تكمن فقط فيما سيحفظه من بيانات، بل في السؤال الذي يطرحه علينا جميعا: ماذا نريد أن يقرأ المستقبل عن علاقتنا بالأرض؟

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق