اتفاق واشنطن وطهران يفتح مضيق هرمز.. انفراج اقتصادي بمكاسب بيئية غير محسومة

ECO1718 يونيو 2026
اتفاق واشنطن وطهران يفتح مضيق هرمز.. انفراج اقتصادي بمكاسب بيئية غير محسومة
خديجة مبتسم

أعاد الاتفاق المرحلي بين الولايات المتحدة وإيران قدرا من الهدوء إلى واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. ولم يقتصر أثره على وقف المواجهة العسكرية، بل انعكس مباشرة على أسواق النفط والغاز، وحركة السفن، وتكاليف النقل والتأمين، وتوقعات التضخم العالمي.

وينص الاتفاق المكون من 14 نقطة على وقف العمليات العسكرية، وفتح مرحلة تفاوض تمتد ستين يوما، وإعادة حركة السفن التجارية تدريجيا عبر مضيق هرمز خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما. كما يسمح لإيران باستئناف تصدير النفط مؤقتا، مقابل التزامها بتأمين مرور السفن، في انتظار التوصل إلى اتفاق نهائي حول العقوبات والبرنامج النووي والترتيبات الأمنية الإقليمية.

وهذا يعني أن العالم خرج من مرحلة الخطر المباشر، لكنه لم يدخل بعد مرحلة الاستقرار الكامل.

مضيق يتحكم في أسواق الطاقة العالمية

تكمن الأهمية الاقتصادية للاتفاق في موقع مضيق هرمز داخل تجارة الطاقة الدولية. فقد عبر المضيق خلال سنة 2025 ما يقارب 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي نحو خٌمٌس الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية.

ويمر عبره أيضا نحو خُمُس تجارة الغاز الطبيعي المسال، خاصة صادرات قطر المتجهة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية. لذلك لا يمثل هرمز ممرا إقليميا عاديا، بل شريانا أساسيا للاقتصاد العالمي.

وقد أظهرت الأزمة أن تعطيل الممر، ولو جزئيا، يستطيع أن يرفع أسعار الطاقة ويؤثر في الإنتاج والنقل والأسعار داخل دول تبعد آلاف الكيلومترات عن المنطقة.

ومباشرة بعد توقيع الاتفاق، تراجع سعر خام برنت إلى نحو 78.5 دولارا للبرميل في تعاملات اليوم (18 يونيو 2026)، وهو أدنى مستوى له منذ بداية الحرب. وجاء الانخفاض نتيجة توقع الأسواق عودة الإمدادات الخليجية والإيرانية، وتراجع احتمال استمرار المواجهة العسكرية.

لكن الأسعار لن تعود بالضرورة سريعا إلى مستويات ما قبل الأزمة، لأن استعادة حركة السفن والإنتاج والتأمين والمخزونات تحتاج إلى وقت، كما لا تزال الأسواق تخشى تعثر المفاوضات أو تجدد التوتر.

ملايين البراميل تعود إلى السوق

يمكن أن تؤدي إعادة فتح المضيق إلى إطلاق كميات كبيرة من النفط ظلت عالقة داخل الخليج أو فوق الناقلات. وتشير تقديرات شركات متخصصة في تتبع السفن إلى وجود نحو 93 مليون برميل من النفط غير الإيراني كانت عالقة في منطقة الخليج، إلى جانب كميات كبيرة من النفط الإيراني المخزن على ناقلات بحرية.

ويؤدي خروج هذه الكميات إلى زيادة المعروض العالمي خلال فترة قصيرة، ما يضغط على الأسعار ويمنح الدول المستوردة فرصة لتقليص فاتورة الطاقة وإعادة تكوين مخزوناتها.

لكن عودة النفط الإيراني لا ترتبط فقط بفتح المضيق، بل تعتمد أيضا على التراخيص الأمريكية المتعلقة بالعقوبات والخدمات المصرفية والتأمين والنقل. ولهذا قد تكون العودة تدريجية، وليست دفعة واحدة.

تراجع محتمل في التضخم والنقل

يؤثر النفط في الاقتصاد العالمي من خلال سلسلة طويلة من الأسعار. فعندما يرتفع سعره، ترتفع تكلفة تشغيل الشاحنات والسفن والطائرات والمصانع والآلات الزراعية، ثم تنتقل الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات.

لذلك يمكن أن يساهم انخفاض النفط في تخفيف التضخم، خاصة في الدول المستوردة للطاقة. كما قد يقلص تكلفة النقل البحري والجوي، ويخفف الضغط على ميزانيات الأسر والشركات.

وقد تستفيد التجارة العالمية أيضا من تراجع رسوم التأمين الاستثنائية التي فرضتها الشركات على السفن العابرة لمنطقة الخليج. فقد وثقت المنظمة البحرية الدولية ما لا يقل عن 46 هجوما على الملاحة الدولية منذ بداية الحرب في 28 فبراير الماضي.

غير أن انخفاض التأمين لن يحدث فورا. فشركات الملاحة تحتاج إلى التأكد من إزالة الألغام والعوائق العسكرية، ووجود ترتيبات أمنية واضحة، واستمرار وقف إطلاق النار قبل العودة إلى التسعير العادي للمخاطر.

أثر يصل إلى الغذاء والأسمدة

لا يتوقف تأثير اضطراب هرمز عند النفط والغاز، فالطاقة تدخل في صناعة الأسمدة وتشغيل المصانع ونقل المنتجات الزراعية وتبريد الأغذية.

كما تصدر منطقة الخليج كميات مهمة من الأمونيا واليوريا والكبريت والمواد الأولية المستخدمة في إنتاج الأسمدة. وعندما تتعطل السفن أو ترتفع تكلفة الشحن، تنتقل الزيادة إلى كلفة الزراعة، ثم إلى أسعار الغذاء.

ومن شأن عودة الملاحة أن تخفف هذه الضغوط، خاصة بالنسبة إلى الدول التي تعتمد على استيراد الأسمدة أو المواد الأولية الزراعية. لكنها لن تعالج جميع أسباب ارتفاع أسعار الغذاء، لأن الأسواق تتأثر أيضا بالجفاف والفيضانات والحروب الأخرى وأسعار العملات وسياسات التصدير.

توقف الحرب يحد من التلوث المباشر

بيئيا، يحقق وقف المواجهة مكاسب مباشرة. فقد أدت الهجمات على المنشآت النفطية والبنيات التحتية إلى اندلاع حرائق كثيفة وإطلاق دخان محمل بمواد خطرة.

وحذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن دخان النفط المحترق يمكن أن يؤثر في صحة السكان، وأن الملوثات قد تنتقل إلى التربة والمياه والمحاصيل والسلسلة الغذائية.

كما كانت الهجمات على الناقلات تهدد بوقوع تسربات نفطية داخل الخليج، وهو مجال بحري شبه مغلق يتميز بارتفاع درجات الحرارة وبحساسية نظمه البيئية الساحلية والبحرية.

ويقلل وقف العمليات العسكرية كذلك من استهلاك الوقود المرتبط بالطائرات والسفن والمدرعات، ويحد من تدمير المباني والمنشآت التي تحتاج لاحقا إلى عمليات إعادة إعمار واسعة وكثيفة الاستهلاك للإسمنت والطاقة والمواد الأولية.

مفارقة بيئية: نفط أرخص واستهلاك أكبر

لا يعني وقف الحرب أن الاتفاق أصبح تلقائيا اتفاقا بيئيا أو مناخيا، فعودة النفط الإيراني والخليجي وتراجع الأسعار قد يشجعان على زيادة استهلاك الوقود الأحفوري، خاصة في قطاع النقل والصناعة.

وقد يؤدي انخفاض الأسعار أيضا إلى إضعاف الحافز الاقتصادي لتقليل استهلاك الطاقة أو استبدال المركبات التقليدية بوسائل أقل تلويثا. كما قد تتجه الاستثمارات إلى إعادة بناء منشآت النفط والغاز بدل توجيهها نحو الطاقة المتجددة.

وهنا تظهر مفارقة واضحة: الاتفاق يقلل التلوث الناتج عن الحرب، لكنه قد يساهم في زيادة الانبعاثات على المدى المتوسط إذا أدى إلى توسع جديد في استهلاك النفط والغاز.

لذلك يتوقف الأثر البيئي النهائي على طبيعة السياسات التي ستتبع الاتفاق. فإذا ما تم استخدام مرحلة الاستقرار في إعادة الإعمار الأخضر، وتحسين كفاءة الطاقة، وتوسيع الطاقة الشمسية والريحية، يمكن تحقيق مكاسب مناخية حقيقية. أما إذا أعادت المنطقة بناء النموذج الأحفوري نفسه، فستظل المكاسب البيئية محدودة ومؤقتة.

انفراج مهم لكنه هش

يمنح الاتفاق الاقتصاد العالمي فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أشهر من اضطراب الطاقة والملاحة والتجارة. ويستفيد منه المستوردون من خلال انخفاض محتمل في أسعار الوقود والشحن والأسمدة، كما تستفيد الدول المصدرة من عودة صادراتها إلى الأسواق.

لكن الاتفاق لا يزال مرحليا، فقد تم تأجيل القضايا الأصعب، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، ورفع العقوبات بصورة دائمة، وآليات الأمن الإقليمي، إلى المفاوضات المقبلة.

ولهذا لن تتحدد القيمة الحقيقية للاتفاق فقط بانخفاض سعر برميل النفط، بل بقدرته على منع عودة الحرب، وضمان حرية الملاحة، وتحويل إعادة الإعمار إلى فرصة اقتصادية وبيئية مستدامة.

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق