مع حلول أواخر شهر يوليوز من كل سنة، تستعد فئات واسعة من المغاربة لما يعرف شعبيا بـالصمايم، وهي فترة تمتد لأسابيع محدودة، من 25 يوليوز إلى 3 شتنبر، لكنها تتميز بارتفاع شديد في درجات الحرارة، غالبا ما تكون مرهقة للإنسان والحيوان والنبات على حد سواء.
تعرف أيضا بالاسم الصحيح لغويا: السَّمائم، وهي جمع السَّموم، أي الريح الحارة الشديدة التي تُشبَّه في أثرها بالسُّم القاتل، لما تحدثه من اختناق وجفاف وتلف في الكائنات الحية. وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في سياق العذاب، في قوله تعالى: “وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال، في سَمومٍ وحَميم” (سورة الواقعة، الآيتان 41-42).
ورغم أن المصطلح متجذر في الذاكرة الشعبية، فإن له امتدادا علميا وثقافيا يجعل من هذه الظاهرة مناسبة للتأمل في العلاقة بين المناخ والوعي الجماعي.
ظاهرة مناخية مرتبطة بدورة شمسية دقيقة
علميا، ترتبط الصمايم بما يعرف في الأرصاد الجوية بـذروة الصيف الحرارية، التي تبدأ في النصف الثاني من يوليوز وتبلغ أوجها خلال غشت، وتتميز بتمركز منخفضات حرارية فوق شمال إفريقيا، خصوصا المنخفض الصحراوي المعروف بـالآزوري، وهو ما يفسر تسجيل درجات حرارة تتجاوز أحيانا 45 درجة مئوية في عدد من مناطق المغرب الداخلية مثل الراشيدية، فگيك، مراكش وتارودانت.
وتظهر بيانات المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب أن هذه الفترة غالبا ما تشهد موجات حر متتالية، بعضها يتجاوز المعدلات الموسمية بـ5 إلى 10 درجات، ويصاحبها أحيانا جفاف نسبي ورطوبة مرتفعة في المناطق الساحلية بسبب صعود الكتل الهوائية الحارة من الصحراء الكبرى، ما يعرف بالشرگي.
حكمة الأجداد وذاكرة الفلاحين
في الموروث الشعبي المغربي، لم تمر هذه الظواهر المناخية مرور الكرام، بل تم توثيقها في أمثال وأقوال متداولة تلخص تجارب متراكمة. ومن بين الأمثال الأكثر شهرة: “الصمايم كايدوبو الحديد فالما”، و”الصمايم كايسمرو الوجه وكاينشفو العظم”. وتعكس هذه الأقوال إدراكا شعبيا لشدة الحرارة وتأثيرها العميق على الجسم والطبيعة.
كما أن هذه الفترة كانت تعامل بحذر في الفلاحة التقليدية، إذ يتجنب فيها الفلاحون بعض الأنشطة المرتبطة بالحيوانات كالذبح أو الحرث الشاق، لما قد تسببه الحرارة من إنهاك أو فساد للمنتجات. وكانت تنصح النساء بعدم السباحة أو الاغتسال بالماء البارد في هذه الفترة، إذ يقال إن “الهواء ساخن لكن الماء قاتل”، في إشارة إلى الأخطار الصحية الكامنة في التغيرات المفاجئة في حرارة الجسم.
ثقافة تقاوم بالتكيف لا بالمواجهة
في العمق، تعكس الصمايم ثقافة مقاومة بالمعرفة. فبينما تعيش بعض المجتمعات في فصام بين الطقس والأنشطة اليومية، طور المغاربة تقاليد للتكيف: من توقيتات العمل الصيفي التي تبدأ باكرا وتتوقف في أوقات الذروة، إلى نمط الأكل واللباس الخفيف وشرب الأعشاب الطاردة للحرارة مثل الشيبة والنعناع.
بل إن بعض الاحتفالات الشعبية كانت تنظم في عز الصمايم للتخفيف من وطأة الحر مثل موسم سيدي علي بن حمدوش أو الرگراگة، حيث يجمع بين الطقس الديني والطقس المناخي في آن واحد.
مناخ يتغير.. فهل تتغير الصمايم؟
اليوم، ومع تزايد تأثيرات التغير المناخي، تظهر الدراسات أن موجات الحر لم تعد مقتصرة على الصمايم التقليدية، بل بدأت تمتد زمنا وتتكرر خلال أشهر أخرى، وهو ما يستدعي تطوير الوعي الجماعي حول مخاطر الحرارة القصوى، لاسيما في المدن التي تعرف حرارة خانقة.
كما أن الحديث عن الصمايم يمكن أن يشكل فرصة لإعادة الاعتبار إلى تقاليد التكيف البيئي التي طورتها المجتمعات المحلية، من البنايات الطينية إلى الظل الاصطناعي، ومن الأكلات الصيفية التقليدية إلى نظام القيلولة الذي يراعي إيقاع الطبيعة.




















عذراً التعليقات مغلقة