في ظل تزايد تسجيل الهزات الأرضية خلال الأسابيع الأخيرة في عدد من الدول العربية وحوض البحر الأبيض المتوسط، تتصاعد التساؤلات حول ما إذا كانت هذه التحركات الزلزالية طبيعية أم تحمل دلالات غير معتادة.
ولأن المسألة تتجاوز الانطباع العام إلى الفهم العلمي الدقيق، قدم الدكتور محمد الفرجات، أستاذ جيولوجيا المياه والبيئة والاستكشاف الجيوفيزيائي بجامعة الحسين بن طلال – الأردن، قراءة متكاملة لجريدة “إيكو 17 ECO” ، توضح خلفيات هذا النشاط وأبعاده المستقبلية من منظور جيولوجي وبيئي شامل.
النشاط الزلزالي في إطاره الطبيعي
فيما يخص الهزات الأرضية الأخيرة التي سجلت في المنطقة العربية، يؤكد الدكتور الفرجات أنها تقع بمعظمها ضمن نطاق النشاط الزلزالي الطبيعي المرتبط بالبنية التكتونية، حيث تتقاطع ثلاث صفائح كبرى هي: الإفريقية والعربية والأوراسية. هذه الحدود النشطة تعرف حركات نسبية دائمة تؤدي إلى تراكم الإجهاد في القشرة الأرضية ثم إطلاقه على شكل زلازل متفاوتة الشدة.
ومع ذلك، يشير الباحث في جيولوجيا المياه والبيئة والاستكشاف الجيوفيزيائي إلى أن بعض السلاسل الزلزالية الحديثة تظهر أنماطا غير معتادة من حيث العمق أو التواتر أو التوزع المكاني، وهو ما يستدعي المتابعة الدقيقة، إذ قد يعكس إعادة تنشيط لمناطق صدعية خاملة نسبيا أو تحولات في أنماط الإجهاد الإقليمي.
المنطقة ضمن دورة جيولوجية طويلة الأمد
أما بخصوص ما يثار حول دخول المنطقة مرحلة جديدة من التحرك الجيولوجي، فيوضح الفرجات أن المنطقة العربية وحوض المتوسط يعدّان من أكثر المناطق تعقيدا جيولوجيا على مستوى العالم، إذ يلتقي فيهما نظام الانهدام الأردني–الفلسطيني–السوري الممتد شمالا مع نطاقات الغوص والانضغاط الصفيحي القاري الممتدة عبر الأناضول واليونان وشمال إفريقيا.
ويؤكد أن النشاط الزلزالي الحالي لا يدل بالضرورة على تحول جيولوجي غير مسبوق، بل يعتبر جزءا من دورات طبيعية طويلة الأمد في إعادة توزيع الإجهاد بين الصفائح، تتخللها فترات من الهدوء وأخرى من النشاط النسبي.
ويرى الباحث نفسه أن تغير المناخ العالمي قد يشكل مستقبلا عاملا ثانويا مؤثرا على أنماط الإجهاد بالقشرة الأرضية، من خلال تغيرات الضغط المائي في الخزانات والبحار والأقطاب المتجمدة، وهو ما يجعل العلاقة بين المناخ والجيولوجيا مجالا يستحق اهتماما بحثيا أعمق.
التوصيات العلمية والاحترازية
وفي ضوء ما تقدم من معطيات جيولوجية، يرى الدكتور محمد الفرجات أن الاستعداد العلمي والمجتمعي يشكل الخط الفاصل بين الظاهرة الطبيعية والكوارث الناتجة عنها. فالمسألة ليست في منع الزلازل، بل في القدرة على فهمها والتأهب لها ضمن رؤية علمية وتخطيطية متكاملة.
وفي هذا الإطار، يلخص الباحث أبرز التوصيات العملية في أربع نقاط رئيسية:
1. الرصد والتوثيق: تعزيز شبكات الرصد الزلزالي في الدول العربية وتبادل البيانات بشكل لحظي على المستوى الإقليمي، بما يسمح بتحليل الأنماط بدقة.
2. التخطيط الحضري المقاوم للمخاطر: تحديث أكواد البناء الوطنية لتشمل معايير الزلازل، خصوصا في المدن الكبرى والمناطق القريبة من الصدوع النشطة، مع ضبط تنفيذها فعليا.
3. التوعية المجتمعية: رفع وعي المواطنين بخطط الإخلاء والتصرف أثناء الزلازل، وتفعيل خطط الطوارئ المحلية.
4. إدخال التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وشبكات الرصد لتطوير أنظمة إنذار مبكر عند حدوث الزلازل بمنطقة ما، مما ينبه المناطق والمدن المحيطة بها خلال ثوانٍ لاتخاذ إجراءات وقائية سريعة ضمن خطط معدة مسبقا.
ويؤكد، في ختام توصياته، أن الزلازل لا يمكن التنبؤ بها بدقة تامة، غير أن الوعي المسبق والتخطيط العلمي يظلان الوسيلة الأنجع لتقليص الخسائر وحماية الأرواح، مما يجعل من المعرفة العلمية خط الدفاع الأول أمام المخاطر الطبيعية.
ومن خلال هذه الرؤية المتكاملة، يبين الدكتور محمد الفرجات أن النشاط الزلزالي الراهن في المنطقة العربية لا يعد استثنائيا، بل يعكس دينامية الأرض الطبيعية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في الزلازل ذاتها، بل في مدى استعداد الدول والمجتمعات للتعامل معها علميا ومؤسساتيا. فكلما توسعت شبكات الرصد، وتطورت البنية التشريعية للبناء، وارتفع الوعي العام، تحوّل الخطر إلى فرصة لبناء مجتمعات أكثر أمانا وصمودا.
إن العلم، كما يؤكد الباحث، ليس وسيلة للتنبؤ فقط، بل أداة للوقاية والتخطيط الاستباقي، ولصياغة علاقة جديدة بين الإنسان وكوكبه تقوم على الفهم لا الفزع.






















عذراً التعليقات مغلقة