يدعو الدكتور أحمد الشريدة إلى مواجهة أزمة المياه في الأردن برؤية متكاملة تمزج الحلول التقنية بالتوعية المجتمعية، مؤكدا أن التجربة الأردنية تحمل رسائل مهمة لبقية الدول العربية.
تبدأ الأزمة عالميا بتغيرات مناخية متسارعة تقلص الموارد العذبة وتربك دورات الهطل والتبخر، فتضغط على الأمنين المائي والغذائي. وتتعمق عربيا مع هشاشة الأحواض المشتركة وتذبذب التساقطات واتساع الطلب الحضري والزراعي، بما يفرض مزج سياسات التخفيف بالتكيف بدل الاكتفاء بردود فعل ظرفية.
يوضح، تصريح للدكتور أحمد الشريدة، محاضر في مجال حماية البيئة وصون الطبيعة بالأردن، لجريدة “إيكو ECO 17 “، أن من أبرز التحديات البيئية التي تواجه الأردن اليوم، نتيجة تغير المناخ، هو الاضطراب في عملية سقوط الأمطار؛ فقد تراجعت كميات سقوط الأمطار خلال السنوات الأخيرة بشكل مضطرب، مما أثر على الأمن الغذائي بالإضافة إلى الأمن المائي”، مؤكدا أ الأردن شهدت تراجعا كبيرا في كمية التساقطات زاد عن 40% من الموسم الماضي، وأن موجات الجفاف والحر الشديد أثرت بشكل كبير على نسبة الرطوبة وبالتالي على الأمن الغذائي بشقيه النباتي والحيواني.
كما يبين الشريدة أن دولة الأردن تعاني من ندرة المياه وبعض المشاكل الجيوسياسية بسبب أن نهر الأردن مشترك مع فلسطين التاريخية ونهر اليرموك مشترك مع سوريا، والأحواض المائية” حوض الديسي”، مشترك مع المملكة العربية السعودية، شارحا أن هذه المشكلة تتطلب اتفاقيات دولية في عملية تقاسم الما، ومشيرا إلى أن ذلك مرتب على الأردن البحث عن مصادر بديلة لتعويض النقص الحاصل، لاسيما مع ارتفاع عدد السكان.
يفصل الدكتور المحاضر كذلك أنه بالإضافة إلى ما سبق التطرق إليه من أسباب، هناك ضغط إضافي ناجم عن الهجرة، حيث واجه الأردن في المرحلة الأخيرة موجات من الهجرة السورية زادت عن مليون مهاجر أو نازح أو لاجئ سوري وصلوا إلى كافة مناطق المملكة، مما ترتب على ذلك زيادة على الطلب على مياه الشرب في ظل الموارد الجوفية والسطحية المحدودة، مضيفا أنه في الآونة الأخيرة قد وصلت معظم السدود التي في الأردن تقريبا والتي عددها 18، إلى مرحلة الخط الأحمر (الجفاف)، إضافة إلى جفاف معظم الينابيع والسيول.
كما يرتب الشريدة مسارات الاستجابة في تسلسل منطقي، يبدأ بتعبئة الموارد المتاحة عبر استثمار المياه الجوفية في حوض الديسي ونقلها إلى عمان، ويوازي ذلك بإبرام اتفاقيات عملية مع دول الجوار لتأمين تشغيل منسق والاستفادة من الموارد السطحية في نهري الأردن واليرموك لتخفيف الضغط على الميزان المائي الوطني. ثم ينتقل إلى حلول متوسطة وطويلة المدى عبر الشروع في تحلية مياه البحر في العقبة رغم ملوحتها العالية وما تقتضيه من جهود وتقنيات إضافية، مع توسيع إعادة استخدام المياه الرمادية في المناطق التي تتوفر فيها المعالجة لرفع الكفاءة المائية وتخفيض الطلب على الموارد العذبة..
ويرى أنه لمواكبة الحلول التقنية لتغيير سلوكي منظم، يجب بإطلاق برامج توعوية تحد من استهلاك المياه في المنازل والزراعة، ويتم استبدال المزروعات الشرهة وخاصة الموز، بأشجار ومحاصيل وخضروات قليلة الاستهلاك لتجاوز عجز الإمداد، ويقلل فاقد التبخر من البرك عبر تغطيتها، مع استثمار تلك التغطيات في إنتاج الطاقة الشمسية حيثما أمكن.
ويلخص شريدة في الأخير التحديات البنيوية قائلا “إن التحديات التي تواجه الأردن كبيرة، منها أنِ شبكة المياه الموجودة شبكة قديمة وهناك فقد كبير في المياه”، بالإضافة إلى “تحديات تتعلق بأن السكان يتوزعون على 18% من مساحة المملكة”، ومع “تزايد سكاني كبير” و”طلب على مصادر المياه لغايات الشرب والزراعة والصناعة والسياحة”.
وبهذا التصريح تتبلور خريطة طريق أردنية تصل إدارة الندرة بالتعاونِ الحدودي، وتمزج بين التحليةِ وإعادة الاستخدام وخفض الفواقد وتعديل البنى الزراعية والتوعية السلوكية، كما تتجاوز الرسالة حدود الأردن لتغدو اختبارا عربيا مفتوحا لبناء حزمة متكاملة تقاس بنتائج ملموسة، تحول الندرة إلى كفاءة وصمود مستدامين.
وعلى هذا الأساس، يبرز مسار تعاون «تقني–معرفي» بين الأردن وباقي الدول العربية ومن بينها المغرب الذي عاش مؤخرا نفس أزمة المياه لتوالي الجفاف لمدة 6 سنوات متواصلة، بغية توحيد لمنهجيات القياس ومؤشرات الاستنزاف، ومنصات بيانات مفتوحة لتبادل سجلات المطر والمخزون والتسرب، ومقارنة لحلول التحلية منخفضة الكربون وإدارة الرجيع الملحي، وتعميم لإعادة الاستخدام والري الدقيق وتحديث الشبكات الذكية. وتتحول الخاتمة إلى برنامج عمل، تتشكل من فرق موضوعية تصدر دلائل تشغيل موحدة ونماذج تعرفة عادلة وخطط طوارئ للسدود، وتجارب “من النموذج إلى التوسع- From Pilot to Scale” وصندوق ابتكار صغير يدعم الأدوات المفتوحة والمختبراتِ المحايدة. وبهذه الآلية تصبح كل قطرة أقل هدرا، وكل كيلوواط-ساعة أقل كلفة بيئية، وتغدو المنطقة أكثر قدرة على تحويل الندرة إلى رصيد دائم للاستدامة.




















عذراً التعليقات مغلقة