حين نسمع عن محاربة الفقر، نفكر عادة في الخطط الكبرى: رفع الأجور، دعم التعليم، أو تمويل المشاريع. لكن العالمة الفرنسية الأمريكية إستر دوفلو Esther Duflo قررت أن تسلك طريقا مختلفا تماما، بدل أن تكتفي بالنظريات، نزلت إلى الميدان لتعرف ما الذي يجدي فعلا وما لا يجدي في حياة الفقراء اليومية.
تجارب مثل الطب
استعارت دوفلو طريقة يستخدمها الأطباء لاختبار الأدوية، تسمى “التجارب العشوائية المنضبطة”. الفكرة بسيطة: عندما نريد معرفة إن كان دواء ما مفيدا، نعطيه لمجموعة من الناس، ونقارن نتائجهم بمجموعة أخرى لم تتناوله. طبقت دوفلو هذا المبدأ على برامج التنمية:
-مجموعة من الأطفال تتلقى دروس دعم مجانية، وأخرى لا.
-قرى تقدم لها مساعدات مالية، وأخرى تترك كما هي.
بعد فترة، يتم قياس الفرق بين المجموعتين. بهذه الطريقة، تعرف الباحثة بدقة أي البرامج تساعد فعلا الناس على تحسين حياتهم.
نتائج غير متوقعة
كشفت تجارب دوفلو أن بعض الأفكار البسيطة أكثر نفعا من المشاريع الضخمة. مثلا في الهند، لاحظت أن غياب المعلمين أكثر ضررا من نقص التجهيزات، فاقترحت منح مكافآت للمدرسين الملتزمين بالحضور، وكانت النتيجة تحسنا كبيرا في مستوى التلاميذ. وفي كينيا، أثبتت أن توزيع الناموسيات الواقية من البعوض مجانا أفضل بكثير من بيعها بسعر رمزي في الوقاية من الملاريا. وفي إفريقيا، بينت أن توفير الأدوية دون مقابل يزيد الإقبال على التطعيم بنسبة مضاعفة مقارنة بالحملات الإعلامية وحدها.
نجاح الطريقة عالميا
طريقة دوفلو لم تبق حبيسة المختبرات، بل اعتمدتها مؤسسات كبرى مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الإفريقي للتنمية في تصميم سياسات وبرامج جديدة.
كما أن فرنسا والهند والبرازيل استخدمتها لتقييم أثر المساعدات الاجتماعية، وبدأت بلدان إفريقية، من بينها المغرب، في الاستفادة من هذه المنهجية عبر برامج تقييم الأداء الاجتماعي ومشاريع الإدماج الاقتصادي للشباب.
نجاح هذا النهج جعل مختبر J-PAL، الذي أسسته دوفلو في معهد MIT، يقود اليوم مئات التجارب في أكثر من 80 دولة، بمشاركة حكومات ومنظمات غير حكومية. والهدف واحد: أن تكون السياسات مبنية على الأدلة لا على الحدس.
انتقادات وحدود
رغم إشادتها الواسعة، تعرضت منهجية دوفلو لبعض الانتقادات. فبعض الخبراء يرون أن التجارب الميدانية قد لا تصلح لتفسير أسباب الفقر العميقة، أو أن نتائجها في قرية صغيرة لا يمكن تعميمها على دولة كاملة.
لكن دوفلو ترد بأن الهدف ليس إيجاد حل سحري، بل بناء معرفة دقيقة تدريجية تساعد صناع القرار على فهم ما ينجح وما يفشل.
علم يخدم الإنسان
من خلال هذا المسار، أثبتت إستر دوفلو أن العلم يمكن أن يكون أداة للكرامة والعدالة، وأن الطريق إلى محاربة الفقر يبدأ من الملاحظة الصادقة والتجربة الواقعية.
لهذا السبب، حازت جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 2019، وأصبحت رمزا لجيل جديد من العلماء الذين يربطون البحث العلمي بخدمة الإنسان قبل أي شيء آخر.




















عذراً التعليقات مغلقة