لم يعد الغبار الأسود الذي يغطي أسطح المنازل والسيارات بمدينة القنيطرة مجرد مظهر يثير انزعاج السكان، بل أصبح موضوع دراسة علمية تفتح الباب أمام أسئلة جدية حول جودة الهواء ومصادر التلوث الصناعي المحتملة.
فقد أصدرت منظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بشراكة مع جمعية “أوكسجين” للصحة والبيئة بالمغرب، أول تقرير علمي متخصص يحلل عينات من هذا الغبار، في محاولة لفهم مكوناته الكيميائية والفيزيائية، دون الجزم بمصدره النهائي.
تحليل علمي يكشف خصائص الغبار الأسود
اعتمد الباحثون على عينتين من الغبار الأسود جرى جمعهما يومي 15 و16 غشت 2022 من موقعين مختلفين بالقرب من محطة لإنتاج الكهرباء يعتقد سكان المنطقة أنها تستعمل المازوت الثقيل (الفيول). وخضعت العينات لتحاليل دقيقة داخل مختبرات غرينبيس للأبحاث العلمية باستخدام المجهر الإلكتروني وتقنيات التحليل الكيميائي المتقدمة.
وأظهرت النتائج وجود تركيزات مرتفعة من عنصري الفاناديوم والنيكل، إلى جانب نسبة عالية من الكربون غير العضوي، كما كشفت التحاليل المجهرية عن جزيئات كروية تتشابه مع الرماد المتطاير الناتج عن احتراق الوقود الثقيل. وبينت الدراسة أيضا أن معظم الجزيئات يقل حجمها عن 355 ميكرومترا، وهي خصائص تتوافق مع نواتج الاحتراق الصناعي.
نتائج ترجح ارتباطه باحتراق الوقود الثقيل دون حسم المصدر
ورغم هذه المؤشرات، شدد التقرير على أن التحاليل لا تسمح بتحديد المصدر النهائي للغبار الأسود، لأنها أجريت على غبار مترسب فوق الأسطح وليس على الانبعاثات مباشرة.
وبحسب معدي التقرير، فإن النتائج ترجح وجود ارتباط بعمليات احتراق الوقود الثقيل، لكنها لا تشكل دليلا قاطعا على مسؤولية منشأة بعينها. لذلك دعا التقرير إلى إجراء قياسات مباشرة للانبعاثات ومراقبة جودة الهواء بشكل مستقل قبل الوصول إلى أي استنتاج نهائي.
الحق في هواء نقي يفرض مزيدا من الشفافية والرقابة البيئية
لا يخلص التقرير إلى وجود خطر صحي مباشر، لكنه يؤكد أن الغبار المدروس يختلف عن الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء، وهي الأكثر قدرة على اختراق الجهاز التنفسي، ما يستدعي توسيع الدراسات البيئية والصحية.
ويؤكد التقرير أن ما توصل إليه يمثل خطوة أولى لفهم طبيعة التلوث الصناعي في القنيطرة، ويدعو إلى تعزيز الشفافية في نشر معطيات جودة الهواء، وتطوير شبكات المراقبة البيئية، وإطلاق تحقيقات علمية مستقلة تكفل حماية صحة السكان وترسخ الحق الدستوري في بيئة سليمة.




















عذراً التعليقات مغلقة