التعدين الأخضر في مواجهة الأمن المائي.. هل تدفع أوروبا ثمن انتقالها الطاقي؟
في الوقت الذي تسابق فيه أوروبا الزمن لتأمين المعادن الاستراتيجية اللازمة لصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة، بدأت تبرز مخاوف متزايدة بشأن الكلفة البيئية لهذا التحول، خاصة في ما يتعلق بالموارد المائية.
فقد أثارت خطط الاتحاد الأوروبي لتسريع مشاريع استخراج معادن مثل الليثيوم والنحاس والكوبالت والنيكل جدلا واسعا، بعدما كشفت تقارير حديثة أن عددا مهما من المناجم المقترحة يقع في مناطق تعاني أصلا من الإجهاد المائي أو ندرة الموارد المائية. ويخشى خبراء البيئة من أن يؤدي التوسع في أنشطة التعدين إلى زيادة الضغط على المياه، سواء من خلال الاستهلاك الكبير للمياه في عمليات الاستخراج والمعالجة، أو بسبب مخاطر تلوث الأنهار والمياه الجوفية.
ويأتي هذا الجدل في سياق سعي أوروبا إلى تقليص اعتمادها على استيراد المعادن من الخارج، خاصة بعد الأزمات الجيوسياسية الأخيرة التي أبرزت هشاشة سلاسل التوريد العالمية. لذلك أقر الاتحاد الأوروبي سياسات جديدة لتشجيع الاستثمار في المناجم داخل القارة، بهدف ضمان استقلالية أكبر في تأمين المواد الأولية الضرورية للتحول نحو الاقتصاد الأخضر.
غير أن منظمات بيئية وخبراء في إدارة الموارد الطبيعية يحذرون من أن تحقيق السيادة المعدنية لا ينبغي أن يكون على حساب الأمن المائي. فالمناجم تحتاج إلى كميات ضخمة من المياه، في وقت تشهد فيه مناطق أوروبية عديدة موجات جفاف متكررة وارتفاعا في درجات الحرارة نتيجة تغير المناخ.
ويعيد هذا النقاش طرح سؤال جوهري حول مفهوم “الانتقال الأخضر”. فهل يكفي أن تكون التقنيات منخفضة الانبعاثات الكربونية حتى توصف بالمستدامة، أم أن الاستدامة الحقيقية تقتضي أيضا حماية المياه والتربة والتنوع البيولوجي؟ ويؤكد العديد من الباحثين أن نجاح التحول الطاقي يتطلب رؤية متكاملة توازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية.
ولا يقتصر هذا التحدي على أوروبا وحدها، بل يهم مختلف دول العالم، ومنها المغرب، الذي يراهن بدوره على تطوير الصناعات المرتبطة بالطاقات المتجددة والمعادن الاستراتيجية، بالتوازي مع مواجهة تحديات الإجهاد المائي. ومن ثم، فإن التجربة الأوروبية تقدم درسا مهما مفاده أن التخطيط البيئي المتكامل يجب أن يسبق أي توسع في المشاريع الاستخراجية، حتى لا يتحول الحل المناخي إلى مصدر لضغوط بيئية جديدة.
وهكذا، يكشف الجدل الدائر في أوروبا أن مستقبل الاقتصاد الأخضر لن يقاس فقط بحجم الطاقات المتجددة أو عدد السيارات الكهربائية، بل أيضا بقدرته على حماية الماء، باعتباره المورد الأكثر أهمية لاستمرار الحياة والتنمية.

















عذراً التعليقات مغلقة