اليوم العالمي للبيئة.. أزمات متشابكة وكوكب تحت الضغط 

ECO175 يونيو 2026
اليوم العالمي للبيئة.. أزمات متشابكة وكوكب تحت الضغط 
أمين بوخويمة

يأتي الاحتفاء باليوم العالمي للبيئة الذي يصادف 5 يونيو من كل سنة، في سياق دولي بالغ التعقيد، تتعاظم فيه التحديات البيئية بوتيرة غير مسبوقة، وعلى رأسها التغير المناخي الذي تحول من تهديد مستقبلي إلى واقع ملموس يطال مختلف القارات.

وبينما تتزايد حرائق الغابات سنة بعد أخرى، وتتصدر إفريقيا مناطق العالم الأكثر تضررا من هذه الظاهرة، لا تزال الجهود الدولية تواجه صعوبات في إقرار معاهدة عالمية ملزمة لمكافحة التلوث البلاستيكي، في وقت يشهد فيه التنوع البيولوجي تراجعا مقلقا ينذر بفقدان أعداد متزايدة من الأنواع والموائل الطبيعية.

وفي ظل كل هذه التحولات المتسارعة، يكتسي اليوم العالمي للبيئة أهمية خاصة باعتباره محطة لتقييم ما تحقق من التزامات، والتنبيه إلى أن كلفة التأخر في مواجهة الأزمات البيئية أصبحت أعلى من أي وقت مضى.

تغير المناخ: أبرز التحديات العالمية

يسلط اليوم العالمي للبيئة لسنة 2026 الضوء على قضية تغير المناخ باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تواجه العالم اليوم، في ظل تصاعد الظواهر المناخية المتطرفة بداية بموجات الحر وحرائق الغابات، مرورا بارتفاع مستوى البحار وصولا إلى ذوبان الأنهار الجليدية.

فتغير المناخ لم يعد مجرد تحذير يتردد في التقارير والمؤتمرات الدولية، بل تحول إلى واقع ملموس يفرض نفسه بشكل متزايد على مختلف دول العالم، وسط مؤشرات مقلقة تؤكد تسارع الأزمة المناخية واقتراب تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية.

وسجلت بيانات حديثة ارتفاعا ملحوظا في درجات حرارة سطح المحيطات خلال شهر أبريل 2026، ليصبح هذا الشهر في المرتبة الثانية تاريخيا من حيث الدفء، بمتوسط بلغ 21.07 درجة مئوية، وهو رقم قريب جدا من الرقم القياسي المسجل سنة 2024 والبالغ 21.10 درجة.

وأدى تغير المناخ إلى تسارع وتيرة ذوبان الجليد ليشكل تهديدا مباشرا على عدد من الأنواع الحيوانية التي تعتمد على الجليد البحري للبقاء والتكاثر، وفي مقدمتها طائر البطريق الإمبراطوري، الذي أُدرج مؤخرا ضمن قائمة الأنواع المهددة بالانقراض بعد تسجيل تراجع مقلق في أعداده.

ويحذر خبراء البيئة، من أن استمرار الاحترار العالمي قد يزيد من الضغوط على النظم البيئية القطبية ويهدد بقاء العديد من الأنواع على المدى الطويل.

التلوث البلاستيكي: محاولات دون جدوى

ينتج العالم سنويا حوالي 400 مليون طن من البلاستيك، يتسرب منها ما بين 8 و11 مليون طن إلى البيئة، في حين يخصص نحو 50٪ من البلاستيك للاستخدام لمرة واحدة، ولا يعاد تدوير سوى حوالي 9٪ فقط من إجمالي النفايات البلاستيكية عالميا، مع تقديرات عالمية تؤكد وجود حوالي 75 و199 مليون طن من البلاستيك المتراكم حاليا في البيئة.

يواصل إنتاج البلاستيك ارتفاعه خلال العقود الأربعة الماضية ليصل إلى نحو 360 مليون طن متري سنويا. وتحذر التقارير من أن البلاستيك قد يفوق وزن الأسماك في البيئة بحلول 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية، علما أن البلاستيك يمثل حوالي 85٪ من النفايات البحرية، وبالتالي يساهم التلوث في نفوق أكثر من 100 ألف من الثدييات البحرية سنويا.

تشير البيانات أيضا، إلى أن حوالي 80٪ من التلوث البلاستيكي يأتي من مصادر برية، في وقت تتوقع فيه الدراسات ارتفاع تسرب النفايات في بعض مناطق العالم بنسبة تصل إلى 70٪ بحلول 2050، خاصة في دول شرق آسيا، ليعكس بذلك تسارع وتيرة الأزمة البيئية.

ورغم تزايد القلق الدولي، فشلت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في التوصل إلى اتفاق بشأن معاهدة عالمية ملزمة للحد من التلوث البلاستيكي، خاصة فيما يتعلق بتحديد سقف لإنتاج البلاستيك واستبعاد بعض المنتجات.

 

حرائق الغابات: إفريقيا في المقدمة

تواصل حرائق الغابات التهام مساحات شاسعة من النظم البيئية حول العالم، وتظل إفريقيا في مقدمة المناطق الأكثر تضررا، بعدما سجلت أكثر من ثلثي حرائق الغابات العالمية خلال الفترة الممتدة بين 2001 و2018.

وتتركز أكبر المساحات المحروقة في شرق وجنوب وغرب ووسط القارة، وهو ما يؤدي إلى خسائر بيئية جسيمة تشمل تدهور التنوع البيولوجي وتراجع خصوبة التربة وانبعاث كميات كبيرة من الغازات الدفيئة.

تتجاوز تداعيات الحرائق حدود القارة الإفريقية لتشمل مناطق أخرى من العالم، حيث شهدت أمريكا الشمالية والجنوبية حرائق مدمرة خلال السنوات الأخيرة، بداية من غابات كندا والولايات المتحدة إلى أجزاء واسعة من الأمازون. وقد خلف حريق “كامب” بولاية كاليفورنيا سنة 2018 خسائر مباشرة قدرت بنحو 19 مليار دولار، بينما بلغت التكاليف المباشرة لحرائق أستراليا بين 2019 و2020 حوالي 23 مليار دولار. كما تشير التقديرات إلى أن ملايين المنازل في الولايات المتحدة أصبحت معرضة لمخاطر حرائق متزايدة تجعل تأمينها أكثر صعوبة.

وبدورها، تساهم التغيرات المناخية بشكل مباشر في زيادة وتيرة الحرائق وشدتها، من خلال ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم موجات الجفاف وتراجع رطوبة التربة والنباتات. وتؤدي هذه الظروف إلى توفير بيئة أكثر ملاءمة لاشتعال النيران وانتشارها بسرعة أكبر، ليجعل مواسم الحرائق أطول وأكثر خطورة. كما يتسبب الدخان الناتج عن الحرائق في آثار صحية واسعة، إذ يرتبط عالميا بنحو 340 ألف حالة وفاة مبكرة سنويا نتيجة أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية.

وتحذر التوقعات الدولية من أن الحرائق الشديدة قد ترتفع بنسبة 14٪ بحلول سنة 2030، و30٪ بحلول 2050، لتصل الزيادة إلى 50٪ مع نهاية القرن الحالي إذا استمرت الاتجاهات المناخية الحالية.

وفي السياق نفسه، أعلنت المفوضية الأوروبية عن تعبئة أكبر منظومة أوروبية لمكافحة حرائق الغابات على الإطلاق استعدادا لصيف 2026، عبر تمويل ونشر عدد قياسي من رجال الإطفاء والطائرات والخبراء المتخصصين في تدبير حالات الطوارئ.

وأكدت المفوضية أن هذه الخطوة تندرج ضمن مقاربة أوروبية متكاملة، تهدف إلى تعزيز الوقاية والاستجابة السريعة والحد من الخسائر البشرية والبيئية المرتبطة بحرائق الغابات.

التنوع البيوجي: تراجع غير مسبوق

يشهد العالم تراجعا غير مسبوق في التنوع البيولوجي، حيث تتلاشى الأنواع بمعدلات تفوق مئات أو حتى آلاف المرات معدلات الانقراض الطبيعية. كما أن المجتمع العلمي أدرج التنوع البيولوجي ضمن أبرز التحديات التي تهدد مستقبل الحياة على الأرض.

تبرز أهمية التنوع البيولوجي في كونه يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، حيث يعتمد أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي بشكل مباشر أو غير مباشر على الموارد الطبيعية والخدمات التي توفرها النظم البيئية. كما تساهم الطبيعة في توفير الأدوية والمواد الغذائية والعديد من المنافع الاجتماعية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، أفاد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الغابات الاستوائية تحتضن أعلى مستويات التنوع البيولوجي البري، فهي تؤوي أكثر من 80٪ من الأنواع البرية المعروفة. كما يعتمد نحو 1.6 مليار شخص على هذه الغابات في سبل عيشهم، فيما يستخلص ربع الأدوية الحديثة من نباتاتها.

ورغم ذلك، تتعرض الغابات لعمليات تدمير متواصلة، فالعالم يفقد سنويا نحو 7 ملايين هكتار من الغابات، خاصة في المناطق الاستوائية.

ومن جهته، يشير مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، استنادا إلى تقييمات الأمانة العلمية للمنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية IPBES، إلى أن نحو 25٪ من مجموعات الأنواع التي جرى تقييمها مهددة بالانقراض، بينما قد يواجه ما يصل إلى مليون نوع خطر الاختفاء خلال العقود المقبلة إذا لم تخفف الضغوط البشرية والبيئية المتزايدة. كما تفوق معدلات الانقراض الحالية المستويات الطبيعية بعشرات إلى مئات المرات.

تشير أحدث التقييمات الصادرة عن منظمات مثل الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة IUCN، والمنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية IPBES، والصندوق العالمي للحياة البرية WWF، إلى استمرار التدهور بوتيرة مقلقة في سنة 2025. كما كشف تقرير الكوكب الحي الصادر عن الصندوق العالمي للحياة البرية، أن أعداد الحيوانات البرية تراجعت بمعدل 69٪ منذ 1970، خاصة في المناطق الاستوائية.

ويظل استخدام الإنسان للأرض المحرك الرئيسي لفقدان التنوع البيولوجي، فالنشاط البشري غير أكثر من 70٪ من جميع الأراضي. كما أن التغير مناخي يظل العامل البارز في تدهور التنوع البيولوجي، بعدما أدى إلى تغيير النظم الإيكولوجية البحرية والبرية والمياه العذبة في جميع أنحاء العالم.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق