`من الفقه الإسلامي إلى القانون الدولي: كيف جسد الوزغ والفواسق الخمس مبدأ الرحمة المؤطرة بالوقاية`
يعتبر موضوع علاقة الإنسان بالحيوان من أبرز القضايا التي جمعت بين التشريع الديني والفكر الحقوقي الحديث، حيث أقر الإسلام منذ بداياته بقاعدة الرحمة بالحيوان وألزم بها، لكنه في الوقت نفسه وضع استثناءات محددة عندما يتحول الحيوان إلى مصدر ضرر مباشر يهدد حياة الإنسان أو أمنه الغذائي أو البيئي. وقد تجسّد هذا في ما عرف بالفواسق الخمس( الغراب، الحدأة، الفأرة، الحية، والكلب العقور)، وهي أصناف من الدواب وصفها النبي ﷺ بأنها مؤذية بطبيعتها، وأمر بقتلها في الحل والحرم على السواء، كما في الحديث الصحيح: «خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحرم( الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور)» (رواه البخاري ومسلم). وأضيف إلى هذه القائمة الوزغ، الذي وصفته السنة النبوية بـ “الفويسق” لما له من ضرر مباشر على مساكن الناس وطعامهم وصحتهم، إذ يختلط بالأطعمة، ويصعد إلى الجدران والأسقف ويلوث الأسطح، وربما ينقل الجراثيم، ولذلك جاء النص بالأمر بقتله، بل ورد أن من قتله من أول ضربة كان له أجر أعظم (البخاري 3359، مسلم 2237). هذه النصوص تؤكد أن الشريعة لم تدع إلى إبادة شاملة لكل الوزغ أو كل الحيات، بل حددت الحالات التي يكون فيها وجود هذه الكائنات مصدر أذى مباشر للإنسان، مما يستدعي التدخل للوقاية والدفع.
هذه الأحكام تكشف عن خصوصية التشريع الإسلامي الذي جمع بين مبدأ الرحمة كأصل عام وبين مبدأ الوقاية كاستثناء ضروري، بحيث لم يترك الأمر مفتوحا للتوسع في قتل الحيوانات دون ضابط، بل نص على أصناف بعينها، وربط الحكم بعلة الأذى والضرر. ومن ثم فإن الرحمة بالحيوان في الإسلام ليست رحمة مطلقة بلا قيد، وإنما رحمة مؤطرة بمصلحة الإنسان وحقه في حياة آمنة وبيئة سليمة. ويظهر ذلك بجلاء في الحديث الشريف: «في كل كبد رطبة أجر»، الذي جعل الإحسان إلى الحيوان والتخفيف عنه قاعدة عامة، وفي المقابل جاءت أحكام الفواسق لتبيّن أن الاستثناء من هذه القاعدة لا يقوم إلا عند تحقق الضرر أو تهديد مقومات العيش الكريم للإنسان.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الإسلام سبق إلى وضع تصور أقرب إلى ما يعرف في الفكر القانوني والبيئي الحديث بمبدأ “التناسب” أو “الضبط الوقائي”، حيث توازن المصلحة بين الحفاظ على حقوق الحيوان بوصفه كائنا حيا له قيمة، وبين حماية حياة الإنسان وصحته وبيئته. فالفقهاء، ومنهم الإمام السيوطي، صنفوا الحيوانات إلى أصناف؛ منها ما هو نافع فيحرم قتله، ومنها ما هو ضار فيستحب قتله، ومنها ما يجمع بين الضرر والمنفعة فيترك تقديره بحسب المصلحة. هذا التصنيف الفقهي يعكس عقلانية التشريع ويؤكد أن القتل ليس مقصودا لذاته، بل وسيلة ضرورية لدفع ضرر محدّد ومباشر.
أما الفكر المعاصر في مجال حقوق الحيوان، فقد سلك مسارا قريبا في جوهره من حيث التأكيد على الرحمة والحماية، لكنه واجه بدوره إشكالية التعامل مع الأنواع الضارة أو الغازية. فالإعلان العالمي لحقوق الحيوان الصادر عن اليونسكو سنة 1978، نص على منع تعريض أي حيوان للقسوة أو سوء المعاملة، لكنه استدرك بأن القتل قد يكون مشروعا في حالات الضرورة بشرط أن يتم بطريقة رحيمة تقلل من معاناة الحيوان. وهذا يوازي من حيث المبدأ ما ورد في السنة النبوية من تأكيد على أن قتل الوزغ والفواسق ليس انتقاما، بل وقاية مشروعة. وفي اتفاقية التنوع البيولوجي (ريو، 1992) جاء النص أوضح وأدق، حيث نصت المادة 8 (ح) على وجوب “منع إدخال الأنواع الغريبة التي تهدد النظم الإيكولوجية أو المواطن أو الأنواع، والسيطرة عليها أو استئصالها”، وهو نص يتقاطع مباشرة مع فكرة “الفواسق” في التشريع الإسلامي، حيث يسمح بالقتل ليس لكون الحيوان بلا قيمة، بل لأنه يهدد توازن البيئة أو صحة الإنسان.
كذلك أقرت اتفاقية الأنواع المهاجرة (بون، 1979) في المادة الثالثة الفقرة الخامسة، استثناءات من الحماية إذا كان ذلك ضروريا لحماية الحياة أو الصحة البشرية أو للمحاصيل الزراعية، وهو نفس المنطق الذي جعل الإسلام يأمر بقتل الفأرة والحدأة والغراب، لما لها من أثر مباشر على الغذاء والمزروعات. أما المنظمة العالمية لصحة الحيوان (OIE)، فقد وضعت معايير دولية تسمح بالتخلص من الحيوانات الناقلة للأمراض الفتاكة مثل داء الكلب، وهو عين ما أشار إليه الحديث النبوي عن الكلب العقور. كما نصت الاتفاقية الأوروبية لحماية الحيوانات الأليفة (1987) في مادتها الحادية عشرة على جواز قتل الحيوان الأليف في حالات الضرورة، بشرط أن يتم بأقل قدر من المعاناة. وأكد الميثاق الإفريقي لحفظ الطبيعة (2003) في مادته التاسعة ضرورة مكافحة الأنواع الضارة التي تهدد النظم البيئية أو الصحة أو الزراعة.
يظهر التحليل المقارن لهذه النصوص بوضوح أن الإسلام كان سبّاقا في صياغة مبدأ الرحمة المقيدة بالاستثناءات، وأنه وضع معايير دقيقة للتدخل، حيث سمّى أصنافا محددة ورتب على قتلها أجرا، في حين أن القانون الدولي استعمل مفاهيم عامة مثل “الأنواع الغازية” أو “الحيوانات الضارة”، وهي أقل تحديدا. كما يظهر أن كلا المنهجين يشتركان في معيار أساسي واحد هو الضرر المباشر، سواء على صحة الإنسان أو على أمنه الغذائي أو على البيئة المحيطة به. ويلاحظ أيضا أن الإسلام شدد على منع التعذيب أو الإيذاء بلا سبب، تماما كما تشدد المواثيق الدولية على اشتراط الرفق في حال القتل.
وبذلك يمكن القول إن النصوص الدينية والاتفاقيات الدولية تلتقي عند فكرة محورية هي أن الرحمة بالحيوان مبدأ عام، وأن الضرورة قد تستدعي الاستثناء، لكن ضمن ضوابط دقيقة، تجعل من القتل وسيلة لحماية الإنسان والمجتمع وليس اعتداء على الحياة الحيوانية. وهذا يبرز قيمة التشريع الإسلامي الذي سبق في صياغة مبدأ “الرحمة المؤطرة” أو “الرحمة المقيدة”، التي تراعي التوازن بين جميع الكائنات والمصالح، وتكشف أن النصوص الشرعية لا تتعارض مع الفكر المعاصر في حقوق الحيوان، بل تتكامل معه في تأسيس نموذج شامل للوقاية وحماية البيئة وصون الكرامة الإنسانية.
———-
قائمة المراجع
1. صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، حديث رقم 3359، دار طوق النجاة، 1422هـ.
2. صحيح مسلم، كتاب السلام، حديث رقم 2237، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، دون تاريخ.
3. ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
4. الإمام السيوطي، الأشباه والنظائر، تحقيق محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998.
5. IslamQA، فتوى حول حكم قتل الوزغ، فتوى رقم 289055، متاح على: islamqa.info.
6. منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، الإعلان العالمي لحقوق الحيوان، باريس، 1978؛
7. الأمم المتحدة، اتفاقية التنوع البيولوجي، ريو دي جانيرو، 1992؛
8. برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، اتفاقية الأنواع المهاجرة (بون)، 1979؛
9. المنظمة العالمية لصحة الحيوان (OIE)، مدونة صحة الحيوان البرية، باريس، 2021؛
10. مجلس أوروبا، الاتفاقية الأوروبية لحماية الحيوانات الأليفة، ستراسبورغ، 1987؛
11. الاتحاد الإفريقي، الميثاق الإفريقي لحفظ الطبيعة والموارد الطبيعية (النسخة المعدلة)، مابوتو، 2003.: au.int.




















عذراً التعليقات مغلقة