مع كل موجة برد قارس، تعود إلى الواجهة حملات إيواء الأشخاص بدون مأوى التي تشرف عليها العمالات والجماعات الترابية، في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بتنسيق مع مختلف المتدخلين. ورغم الأثر الإنساني الإيجابي لهذه العمليات، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: هل يشكل الإيواء وحده حلا فعليا، أم مجرد معالجة ظرفية لظاهرة اجتماعية معقدة؟
تشير تقارير رسمية صادرة عن وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة إلى أن فئة الأشخاص بدون مأوى تعد من أكثر الفئات هشاشة وتعددا في أسباب الإقصاء، حيث تتقاطع عوامل الفقر، والهشاشة الأسرية، والبطالة، والاضطرابات النفسية، والإدمان، والهجرة الداخلية غير المهيكلة. وتؤكد هذه التقارير أن التدخل الموسمي، رغم ضرورته، لا يقطع مع الأسباب البنيوية للتشرد.
وتظهر المعطيات الميدانية، التي أوردها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقاريره حول العدالة الاجتماعية والولوج إلى الخدمات الأساسية، أن نسبة مهمة من الأشخاص الذين يستفيدون من الإيواء المؤقت يعودون إلى الشارع بعد انتهاء الحملات، إما بسبب غياب مواكبة اجتماعية فردية، أو بسبب مشاكل صحية ونفسية غير متكفل بها، أو لعدم توفر بدائل اقتصادية مستقرة.
من جهة أخرى، تبرز دراسات أنجزتها المندوبية السامية للتخطيط حول الفقر والهشاشة الحضرية أن التشرد ليس دائما نتيجة فقر مدقع فقط، بل يرتبط أحيانا بتفكك الروابط الأسرية والهجرة القروية غير المهيكلة، خاصة في المدن الكبرى. هذه المعطيات تفسر لماذا لا ينجح الإيواء وحده في إدماج عدد من المستفيدين إدماجا دائما.
فيما تبرز التجارب الميدانية، التي واكبتها تقارير رسمية لوزارة الداخلية، أن أنجع التدخلات هي تلك التي تجمع بين الإيواء المؤقت والمواكبة الفردية طويلة الأمد، من خلال إعداد ملف اجتماعي وصحي لكل حالة، وإشراك الأخصائيين الاجتماعيين، وتوجيه بعض المستفيدين نحو إعادة الإدماج الأسري أو المهني. وقد سجلت هذه المقاربة نتائج أفضل مقارنة بالتدخلات الجماعية الموسمية.
كما تكشف معطيات وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أن نسبة معتبرة من الأشخاص بدون مأوى تعاني من اضطرابات نفسية أو من الإدمان، وهو ما يجعل إدماجهم الاجتماعي رهينا بتوفير علاج نفسي وصحي مواكب، وليس فقط مأوى مؤقت. وتؤكد الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية أن غياب التكفل المبكر بهذه الفئة يفاقم وضعية التشرد بدل معالجتها.
انطلاقا من هذه المعطيات، يتضح أن الإيواء، رغم كونه ضرورة إنسانية عاجلة، لا يمكن اعتباره حلا شاملا. فالمقاربة الواقعية تقتضي الانتقال من منطق الحملة الشتوية إلى منطق السياسة العمومية المندمجة، التي تجمع بين الوقاية الاجتماعية، والمواكبة الفردية، والإدماج المهني أو الأسري، والتكفل الصحي والنفسي، مع اعتماد آليات تتبع وتقييم مستمرة.
إن كرامة الأشخاص بدون مأوى لا تصان فقط بتوفير سرير وغطاء في ليالي البرد، بل بضمان مسار إدماج يعيد لهم موقعهم داخل المجتمع. وهذا الرهان، كما تؤكد التقارير الرسمية، لا يمكن أن يتحقق إلا بتنسيق مؤسساتي دائم، ورؤية تتجاوز التدخل الظرفي نحو حلول مستدامة تعالج الجذور لا الأعراض.




















عذراً التعليقات مغلقة