لم يعد السقي مجرد تقنية هامشية في الفلاحة، بل تحول إلى أداة حاسمة تحدد مستقبل الأمن الغذائي في ظل الإجهاد المائي. لعقود طويلة، اعتمدت الحقول المغربية، مثل كثير من مناطق العالم، على السقي بالغمر باعتباره أبسط وسيلة لإيصال الماء إلى المزروعات. هذه الطريقة، التي تقوم على غمر التربة بالماء، بدت مناسبة في زمن وفرة الموارد، لكنها كشفت مع توالي سنوات الجفاف عن حدودها البيئية والاقتصادية.
تؤكد الأبحاث الزراعية الحديثة أن السقي بالغمر يهدر نسبا كبيرة من المياه، بسبب التبخر والتسرب العميق والجريان السطحي، كما يساهم في تملح التربة واختناق الجذور، وهو ما ينعكس سلبا على مردودية المحاصيل واستدامة الأراضي. ومع تراجع التساقطات وارتفاع الطلب على الماء، أصبح هذا النمط من السقي غير منسجم مع واقع الندرة الذي يعيشه المغرب.
في هذا السياق، برز السقي بالتنقيط كخيار بديل، لا بوصفه ترفا تقنيا، بل كاستجابة مباشرة للأزمة المائية. يقوم هذا النظام على إيصال الماء بجرعات دقيقة مباشرة إلى جذور النبات، ما يقلل الفاقد ويحسن كفاءة استعمال الموارد. وتشير دراسات مقارنة حديثة إلى أن التنقيط يساهم في تقليص استهلاك الماء بنسبة قد تصل إلى 40–60 في المائة، مع الحفاظ على الإنتاج، بل وتحسينه في العديد من الزراعات.
لا تقتصر خصائص السقي بالتنقيط على الاقتصاد في الماء، بل تشمل أيضا الحد من تملح التربة، تقليص نمو الأعشاب الضارة، وإمكانية الدمج بين السقي والتسميد، وهو ما يرفع جودة المحاصيل ويحسن دخل الفلاحين. غير أن هذه التقنية تحتاج إلى استثمار أولي وتجهيزات تقنية، وهو ما جعل تدخل الدولة عاملا حاسما في تعميمها.
شجعت السياسات الفلاحية، في المغرب، خاصة ضمن البرامج الوطنية لتحديث الفلاحة، على اعتماد السقي الموضعي عبر دعم مالي وتقني موجه للفلاحين. وتظهر تقييمات ميدانية أن هذا الدعم ساعد على توسيع المساحات المسقية بالتنقيط، وتحسين إنتاجية الماء، مع تقليل الضغط على الموارد الجوفية.
وتظهر المعطيات الرسمية الحديثة أن المغرب قطع أشواطا مهمة في تعميم السقي الموضعي. فقد بلغت المساحة المجهزة بأنظمة الري بالتنقيط حوالي 794 ألف هكتار إلى حدود سنة 2023، أي ما يقارب نصف المساحة المسقية وطنيا، مقابل أقل من 10 في المائة سنة 2008. وتؤكد هذه الأرقام تسارع وتيرة التحول، خاصة أن نسبة اعتماد الري الموضعي لم تكن تتجاوز 43 في المائة سنة 2020. هذا التطور ارتبط بالدعم العمومي الذي وفرته الدولة ضمن برامج تحديث الفلاحة، والذي مكن من تجاوز الأهداف المسطرة قبل آجالها، مع تسجيل تحسن ملموس في إنتاجية الماء وتقليص الضغط على الموارد المائية السطحية والجوفية.
هكذا، لم يعد الانتقال من الغمر إلى التنقيط مجرد تحول تقني، بل أصبح خيارا استراتيجيا يربط بين الفلاحة والماء والاستدامة، في بلد باتت فيه كل قطرة تحسب.






















عذراً التعليقات مغلقة