الغابات ورهانات المناخ العالمي.. خزان الكربون(3/8)

ECO1717 أكتوبر 2025

الغابات ورهانات المناخ العالمي.. خزان الكربون(3/8)
إيمان بنسعيد- باحثة في القانون، التنمية المستدامة والسياسات البيئية

ينتقل هذا المحور من السلسلة إلى تحليل بروتوكول كيوتو لسنة 1997، بوصفه أول اتفاقية دولية أدرجت الغابات رسميا ضمن الحسابات الكربونية للمناخ.

وسيوضح هذا الجزء كيف تحول دور الغابات من فضاء بيئي إلى أداة اقتصادية في سوق الكربون العالمي، عبر آليات مثل LULUCF وآلية التنمية النظيفة (CDM)، وكيف أثر هذا التحول على العدالة المناخية بين الدول الصناعية والنامية.

المحور الثالث: اتفاقية كيوتو (1997) – الغابات كخزانٍ للكربون (Carbon Sink)

وامتدادا لما سبق، انتقل الاهتمام الدولي من السيادة على الموارد وتقاسم منافعها إلى إدماج قيمتها في الاقتصاد البيئي العالمي، حيث بدأت الغابات تكتسب موقعا جديدا داخل النقاش المناخي. فبعد أن مثلت في اتفاقية التنوع البيولوجي وبروتوكول ناغويا مصدرا للثروة البيولوجية والمعرفة التقليدية، صبحت تقاس بما تمتصه من الكربون وتختزنه في غطائها الغابوي، فتحولت تدريجيا إلى أحد أهم خزانات الكربون الطبيعية في معادلات المناخ العالمية.

وهكذا تحول التركيز الأممي من البعد الإيكولوجي إلى البعد المناخي، ومن حفظ الأنواع إلى تنظيم الكتلة الحرجية في علاقتها بالنظام الجوي. وفي هذا السياق، جاء بروتوكول كيوتو سنة 1997 ليشكل المنعطف الحاسم الذي أدرج الغابات لأول مرة ضمن الحسابات الرسمية للمناخ، مؤسسًا لمرحلة جديدة من التفكير في الغابة كخزان للكربون وركيزة من ركائز الاقتصاد المناخي العالمي.

أدرجت الغابات رسميا لأول مرة في المنظومة المناخية الدولية كأداة تقنية في حساب الانبعاثات، حينما تم اعتماد بروتوكول كيوتو في 11 دجنبر 1997 بمدينة كيوتو اليابانية، والذي دخل حيز التنفيذ في 16 فبراير 2005 بعد مصادقة أكثر من خمس وخمسين دولة تمثل ما يزيد عن خمسة وخمسين في المائة من انبعاثات الدول الصناعية، وذلك من خلال آلية الاستخدامات الأرضية وتغير استخدام الأراضي والحراجة (LULUCF) التي نصت عليها مواد الاتفاقية [12].

وقد مثلت هذه الآلية تحولا عميقا في التفكير المناخي، إذ سمحت بإدماج الغابة في الحسابات الوطنية للانبعاثات، وجعلت من الأشجار عنصرا فاعلا في معادلة الكربون العالمية. فعمليا، يشبه نظامها دفترا محاسبيا تسجل فيه العمليات الإيكولوجية؛ إذ يزاد الرصيد عندما تزرع غابة جديدة أو تعاد غابات مفقودة باعتبارها تمتص ثاني أكسيد الكربون، وينقص عندما تزال غابة أو يغير استعمال الأرض بما يؤدي إلى إطلاق الكربون. وبهذا التصور، لم تعد الجهود المناخية تقاس فقط بما يخفض من انبعاثات المصانع، بل كذلك بما تحدثه الأرض والغابة من توازنات طبيعية.

نصت المادة الثالثة (الفقرتان 3 و4) على التزام الدول الصناعية المدرجة في الملحق الأول بإدراج جميع الأنشطة البشرية المباشرة على الأراضي الزراعية والمراعي والغابات ضمن حساباتها الرسمية للانبعاثات والامتصاص، بحيث يسجل التشجير وإعادة الغابات في خانة الامتصاص، في حين تدرج إزالة الغابات أو تدهور الغطاء النباتي ضمن مصادر الانبعاث [12].

وهكذا اتسعت المسؤولية المناخية من نطاقها الصناعي الضيق إلى نطاق أشمل يضم السياسات الترابية واستعمالات الأرض، بما جعل الغابة، لأول مرة، جزءا من البنية التقنية والسياسية للتقارير المناخية الوطنية.

أما المادة الثانية عشرة من البروتوكول فقد أرست آلية التنمية النظيفة (Clean Development Mechanism – CDM) التي تقوم على فكرة تبادل المنافع بين الشمال والجنوب، إذ يمكن لدولة صناعية أن تمول مشروعا بيئيا أو غابويا في دولة نامية (مثل إعادة التشجير أو إنتاج الطاقة المتجددة ) ثم تحتسب كمية ثاني أكسيد الكربون التي يمتصها المشروع كرصيد كربوني في ميزان التزاماتها الدولية [12].

وقد أدى هذا النظام إلى ظهور ما يعرف بـأسواق الكربون الغابوية، حيث أصبحت كل طن من الكربون وحدة قابلة للقياس والتبادل المالي، مما حول الغابة من فضاء بيئي له قيمة ذاتية إلى سلعة بيئية جديدة تدخل في منطق العرض والطلب. فمن جهة، ساهمت هذه الآلية في جذب التمويل الدولي للمشاريع البيئية في الجنوب، ووفرت للدول النامية موارد إضافية وتكنولوجيات لم تكن متاحة من قبل، لكنها من جهة أخرى أطلقت نقاشا واسعا حول حدود العدالة المناخية، بعد أن تبين أن العديد من مشاريع التشجير التعويضي (Offset Projects) استفادت منها الشركات الممولة بينما لم تصل منافعها إلى الساكنة المحلية، بل في بعض الحالات فرضت قيود على الأراضي أو جرى تهجير سكانها تحت تصنيفها كمناطق كربونية محمية [13]. بحيث يتحول الكربون إلى سلعة، وتتحول الغابة إلى مستودع له(خزان- Carbon Sinks)، بينما غابت الاعتبارات الاجتماعية والحقوقية للسكان الذين يعيشون منها ولها.

ورغم هذه المفارقات، فقد ساهم بروتوكول كيوتو في وضع أول منهج علمي موحد لاحتساب الكربون الغابوي، مما أرسى قاعدة بيانات عالمية ساعدت على إدماج الغابات في خطط الحد من الانبعاثات، وسمح ببناء أدوات دقيقة للرصد والتقييم المناخي. غير أن أثره ظل محدودا من حيث العدالة، لأن المنطق الاقتصادي للسوق الكربونية كان هو المهيمن، حيث اعتبرت الغابة خزانا للكربون أكثر مما هي نظام حياة ومعيشة.

فبينما عزز البروتوكول أدوات القياس والتمويل، فقد تجاهل إلى حد بعيد البعد الثقافي والاجتماعي للغابات، واختزل قيمتها في أرقام ومعادلات كمية لا في وظائفها المتعددة التي تتقاطع مع الأمن الغذائي والمعيشي للمجتمعات المحلية.

وقد هيأت هذه التجربة الأرضية لنشوء آلية أكثر توازنا وشمولا هي REDD+، أي “الحد من إزالة الغابات وتدهورها وتعزيز أدوارها في التنمية المستدامة”، وهي مبادرة أممية طورت في مؤتمر بالي سنة 2007 قبل أن تعتمد رسميا ضمن اتفاقية باريس سنة 2015. وتهدف هذه الآلية إلى مكافأة الدول والجهات التي تحافظ على غاباتها أو تطور مساحتها، ليس فقط لأنها تمتص الكربون، بل لأنها تخلق فرص عمل وتحافظ على التنوع البيولوجي وتؤمن سبل عيش محلية مستدامة.

وبذلك تنتقل المقاربة من منطق التعويض المالي عن الانبعاثات إلى منطق التنمية المستدامة القائمة على المشاركة المحلية والتمويل الأخضر، إذ تشترط إشراك الساكنة المعنية في تصميم المشاريع، واحترام حقوقها في الأرض والموارد، وربط الدعم المالي بالنتائج الملموسة بيئيا واجتماعيا. فبينما ركز كيوتو على كمية الكربون التي تمتصها الغابة، فإن REDD+ أعاد التوازن إلى المعادلة بأن جعل الإنسان جزءا من الحل لا مجرد متغير في الحساب المناخي، واعتبر التنمية المحلية شرطا أساسيا للنجاح البيئي.

وعند النظر في خلاصة هذه التجربة، يتضح أن آلية الاستخدامات الأرضية (LULUCF) جسدت تحول الغابة إلى عنصر محاسبي في ميزان الكربون الوطني، وأن المادة الثالثة (الفقرتين 3 و4) وسعت نطاق الالتزامات لتشمل جميع الأنشطة البشرية المؤثرة على الغطاء النباتي، بينما وضعت آلية التنمية النظيفة (CDM) الأساس العملي لأسواق الكربون من خلال تمويل المشاريع البيئية في بلدان الجنوب مقابل أرصدة تحتسب للجهات الممولة.

في المقابل، كما أبانت الممارسة الميدانية عن هشاشة البعد الحقوقي لهذه الآليات، إذ أظهرت التقارير الأممية حالات متكررة لتسليع الغابة وتهميش المجتمعات التي يفترض أن تكون شريكا في التنمية [13]. غير أن هذه الملاحظات النقدية ساهمت بدورها في دفع النقاش نحو صيغ جديدة أكثر توازنا، كان أبرزها آلية REDD+ التي تجاوزت منطق المقايضة الكربونية لتؤسس لمفهوم التنمية المستدامة القائمة على العدالة والمشاركة.

إن بروتوكول كيوتو، رغم قصوره، شكل أول اعتراف قانوني عالمي بالقيمة المناخية للغابات بوصفها خزانات كربونية، وأطلق مرحلة جديدة من التفكير في “الاقتصاد المناخي للغابات” الذي يسعى اليوم إلى التوفيق بين الفعالية البيئية والعدالة الاجتماعية. فهو لم يحسم في مسألة السيادة البيئية بين الشمال والجنوب، لكنه وضع الغابة في صلب المعادلة المناخية الدولية، وفتح الباب أمام ما أصبح يعرف بـ”الحكامة الكربونية” (Carbon Governance) التي ستعيد تشكيل مفهوم التنمية في القرن الحادي والعشرين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق