في اليوم العالمي للمرأة القروية.. وجه المغرب الصامد أمام التحديات

ECO1715 أكتوبر 2025

في اليوم العالمي للمرأة القروية.. وجه المغرب الصامد أمام التحديات
ابراهيم بوكيوض

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة القروية، يحتفي المغرب بالدور المحوري الذي تضطلع به النساء في العالم القروي، باعتبارهن فاعلات أساسيات في النسيج الفلاحي والاجتماعي والاقتصادي، ومكونا رئيسيا في دينامية التنمية المستدامة بالمملكة.

تشير المعطيات الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط إلى أن النساء يشكلن ما يقارب 49 في المائة من ساكنة الوسط القروي، أي ما يفوق 6.6 ملايين امرأة سنة 2024، موزعات على مختلف جهات المملكة، ويتركزن بالأساس في الجهات ذات الطابع الفلاحي كفاس–مكناس وسوس–ماسة ومراكش–آسفي.

ويمثل هذا الحضور النسائي المكثف طاقة إنتاجية واجتماعية هائلة، إذ تساهم المرأة القروية في كل مراحل السلسلة الفلاحية، من الحرث والغرس إلى الجني والتسويق، كما تضطلع بدور محوري في الحفاظ على التنوع البيئي والمعرفي المحلي عبر نقل المهارات الزراعية والحرفية التقليدية.

ورغم هذا الدور الحيوي، تظل مؤشرات الاندماج الاقتصادي محدودة نسبيًا؛ فحسب تقرير وضعية سوق الشغل بالمغرب لسنة 2024 الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، لا تتجاوز مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي القروي 29 في المائة مقابل أكثر من 70 في المائة لدى الرجال. ويعود ذلك إلى طغيان العمل غير المأجور في القطاع الفلاحي، حيث تمثل النساء أكثر من ثلثي اليد العاملة العائلية غير المصرح بها.

كما تكشف دراسة المندوبية حول البنية الاجتماعية والسكانية لسنة 2023 عن أن نسبة الأمية بين النساء القرويات تصل إلى حوالي 47 في المائة، وهي ضعف المعدل الحضري تقريبا، ما يحد من فرص الولوج إلى التكوين، والتمويل، والمشاريع التعاونية ذات القيمة المضافة.

وتشير تقارير مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد Policy Center for the New South إلى أن ضعف إدماج المرأة القروية في الاقتصاد الوطني يكبد المغرب كلفة اقتصادية كبيرة تقدر بما بين 2 و3 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنويا، نتيجة ضياع الإمكانات الإنتاجية في العالم القروي. ويبرز المركز أن تمكين النساء في الفلاحة والصناعات المحلية يمكن أن يرفع الإنتاج الفلاحي الوطني بنسبة تصل إلى 10 في المائة إذا تم تحسين الولوج إلى الموارد، والملكية، والتكوين.

من جانب آخر، تظهر المعطيات الحديثة للمندوبية أن حوالي 60 في المائة من الشابات القرويات بين 15 و29 سنة خارج دائرة التعليم أو العمل أو التكوين، وهي نسبة مرتفعة تعكس التحدي المزدوج المتمثل في ضعف التشغيل وضعف التأهيل. وفي المقابل، تؤكد المؤشرات نفسها أن برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والتمكين الاقتصادي للنساء بدأت تحدث تحولا تدريجيا في بعض المناطق، حيث ارتفع عدد التعاونيات النسائية القروية إلى أكثر من 3000 تعاونية خلال السنوات الأخيرة، تشتغل في قطاعات الإنتاج الزراعي، وتثمين المنتجات المحلية، والصناعة الغذائية التقليدية.

وتتقاطع كل من المندوبية السامية للتخطيط ومركز السياسات على أن المرأة القروية تمثل محورا استراتيجيا لبلوغ أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الخامس المتعلق بالمساواة بين الجنسين، والهدف الثامن الخاص بالنمو الاقتصادي الشامل، والهدف الحادي عشر المتعلق بالمجتمعات المحلية المستدامة.

كما أن الرهانات البيئية الراهنة تجعل من دور المرأة القروية عنصرا أساسيا في إدارة الموارد الطبيعية ومواجهة آثار التغير المناخي، خصوصا في المناطق المتضررة من الجفاف وندرة المياه.

وفي هذا السياق، تؤكد وزارة الفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات أن النهوض بأوضاع النساء القرويات يعد خيارا وطنيا ضمن استراتيجية “الجيل الأخضر 2020–2030″، التي تضع تمكين النساء والشباب القرويين في صلب التنمية الفلاحية، من خلال برامج التكوين، ودعم المقاولات النسائية القروية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتسهيل الولوج إلى التمويل عبر القروض الصغرى والتعاونيات الإنتاجية.

إن الاحتفاء بالمرأة القروية لا يقتصر على التكريم الرمزي، بل يعبر عن إدراك جماعي لأهميتها في استدامة الحياة الفلاحية والاجتماعية في المغرب. فهي التي تحفظ علاقة الإنسان بالأرض، وتنقل خبرة الأجيال، وتواجه بصبر وتضامن تحديات الواقع القروي.

وفي هذا اليوم العالمي، تتجدد الدعوة إلى تسريع السياسات العمومية الموجهة للنساء القرويات، وتعزيز حضورهن في مراكز القرار المحلي، وجعل العدالة المجالية والمساواة الاقتصادية مدخلا حقيقيا لتنمية شاملة لا تقصي أحدا.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق