ما بعد الصدمة: هل يتطور “جيل زيد” إلى قوة منظمة؟

ECO177 أكتوبر 2025
ما بعد الصدمة: هل يتطور “جيل زيد” إلى قوة منظمة؟
ابراهيم بوكيوض

لم تنته بعد احتجاجات جيل زيد وإن خف وهجها الميداني، فهي ليست  موجة عابرة، بل تحولا اجتماعيا ممتدا، أعاد طرح سؤال المواطنة والسياسة في زمن ما بعد التنظيم.

فالمشهد المغربي اليوم أكثر هدوءا، لكنه أكثر نضجا أيضا: مظاهرات بلا عنف، تعاون ميداني بين المحتجين ورجال الأمن، ومبادرات مدنية جديدة تجعل الغضب مساحة للتفكير، لا للفوضى.

إن ما يجري ، وفقا لصحيفة Le Monde Afrique،  أن ما يجري “ليس حدثا عابرا بل تمرين على التعبئة الذاتية في مجتمع يتعلم السياسة من دون أحزاب”، فجيل زيد GENZ 212 يعيش أول تجربة سياسية رقمية بالكامل: يعبر، يتناقش، ويقرر من خلال فضاءات افتراضية لا مركزية. لكن الجديد أن هذا الوعي الرقمي بدأ ينعكس في الشارع بسلوك مدني منضبط ومسؤول.

من الغضب العفوي إلى الوعي الجمعي المواطِن

بحسب The Washington Post، لم تكن المنصات الرقمية خلفية للاحتجاج فحسب، بل مختبرا للمواطنة الجديدة، فالشباب المغاربة استخدموا تطبيقات مثل ديسكورد وتيك توك لتجريب أفكارهم وتنظيم تحركاتهم في فضاءات أفقية مفتوحة. هذه التجربة أفرزت قدرة تحليل لحظي للرأي العام، ومنحتهم ثقة بأن التغيير ممكن دون وسطاء.

ويرى محللو The Guardian أن جيل زيد “ينتج خطابا سياسيا بلا تنظير”، يعتمد الميمات والرموز البصرية بدل البيانات والشعارات الطويلة، فاللغة السياسية هنا رقمية وسريعة ومباشرة، تنقل الموقف في ثانية وتعبئ من دون صراخ. وقد تعيد هذه اللغة الشبكية صياغة الثقافة السياسية المغربية كما فعل فيسبوك مع لغة الربيع العربي قبل عقد من الزمن.

في تقرير لـ Al Jazeera English، وصف الجيل بأنه “جيل وطني الهوية، كوني المرجع”، فهو لا يحتج ضد الدولة بل من داخل الإحساس بالانتماء إليها، ويطالب بمواطنة تقاس بالكرامة لا بالشعارات. لذلك رفضت الحركة كل محاولات الركوب السياسي، معتبرة نفسها تيارا أخلاقيا قبل أن تكون حزبيا.

واليوم، تتجلى هذه المواطنة الجديدة ميدانيا: فالمسيرات التي خرجت منذ نهاية شتنبر الماضي كانت أكثر سلمية وتنظيما، حيث شوهد رجال الأمن يسيرون وسط الصفوف لضمان سلامة الجميع دون عنف أو احتكاك؛ بل إن المتظاهرين أنفسهم اتفقوا على الانخراط في حملة وطنية لتنظيف الشوارع يوم 4 أكتوبر، في مبادرة رمزية تعكس انتقال الوعي من الاحتجاج إلى الفعل المدني.

احتمال التحول إلى جيل الضغط الرقمي

ترى Financial Times أن هذا الجيل قد لا يتجه نحو حزب سياسي تقليدي، بل نحو شكل جديد من الضغط الشبكي الذي يمزج بين الميدان والفضاء الرقمي، فهو جيل القضايا لا الإيديولوجيات، وقد يطلق حركات موضوعاتية حول المناخ أو التعليم أو العدالة الاجتماعية. ومثل هذه الشبكات قد تصبح قوة اقتراح توازي تأثير الأحزاب.

في المقابل، تعتبر Reuters أن الدولة المغربية قد تسعى إلى استيعاب هذا الوعي الجديد عبر إنشاء آليات تشاركية أو مجالس شبابية استشارية؛ لكن، تحذر الصحيفة، من أن “الاستيعاب دون الإصغاء الحقيقي قد يعيد إنتاج الغضب في شك أشد حدة”. فالجيل الرقمي لا يبحث عن التمثيل الرمزي، بل عن المشاركة الفعلية في القرار.

وتحذر Le Monde، أيضا، من سيناريو “القطيعة بين الأجيال”، حين يشعر الشباب بأن الدولة تتحدث بلغة لا تخصهم، هنا لا يكون الصراع إيديولوجيا بل زمنيا: بين جيل يرى الدولة سلطة عمودية، وآخر يراها عقدا اجتماعيا أفقيا يقوم على الشفافية والمحاسبة.

فيما تؤكد The Washington Post أن “كل حركة أفقية تصل إلى لحظة اختبار: إما أن تبقى موجة احتجاج أو تتحول إلى مشروع”.

أما التحدي أمام جيل زيد، فهو إيجاد قنوات تمثيلية دون التضحية بحريته الأصلية. وقد يتجسد ذلك في منصات مدنية رقمية لمراقبة السياسات العمومية، أو مبادرات للتطوع والمساءلة، وهي أشكال من السياسة الناعمة التي قد تعيد تعريف المشاركة السياسية في المغرب.

وتتفق كبريات الصحف الدولية على أن ما حدث في المغرب ليس “هَبّة شبابية”، بل تحول ثقافي وسياسي في بنية الوعي الوطني،  حيث كتبت Le Monde Afrique: “إنه الجيل الذي لم يعد يخاف من السؤال”،
وخلصت The Guardian إلى أن “المغرب يعيش لحظة فاصلة: جيل زيد لم يطالب فقط بالإصلاح، بل بوضع الإنسان في قلب العقد الاجتماعي الجديد”.

إن مستقبل هذا الجيل لن يقاس بعدد المسيرات، بل بقدرته على تحويل الغضب إلى اقتراح، والاحتجاج إلى مشاركة.

لقد أصبحت احتجاجاته أكثر سلمية وأكثر مواطَنة، وجعلت من الشارع فضاء للتعبير المسؤول لا للمواجهة. وهو لا ينتظر الإذن ليُسمِع صوته، بل يصغي إلى ذاته وإلى وطنه في آن واحد، مؤسسا لمعنى جديد للمواطنة والسياسة في المغرب المعاصر: جيل يحتج ليبني، وينظف الشوارع كما ينظف الخطاب العام من الضجيج.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق