تتواصل حالة الغضب التي يقودها “جيل زيد” منذ أسبوع، جيل شاب قرر أن يخرج من الفضاء الرقمي إلى الشارع، في لحظة غير متوقعة سياسيا لكنها منطقية اجتماعيا.
جيل يوصف بـاللامركزي لأنه لا يتحرك وفق منطق القيادة التقليدية، ولا ينتظر توجيها من حزب أو نقابة أو هيئة. قوته تنبع من التنظيم الأفقي الذي تتيحه الشبكات الرقمية، حيث يصبح كل هاتف مركزا للتعبئة والتأثير. إنه جيل يفكك فكرة الزعيم ولممثل الرسمي، ليعوضها بروح المشاركة الفورية، والتنسيق الذاتي، والتعبير الجماعي عبر الرموز والميمات والوسوم، لا عبر البيانات والخطب.
جيل مهيأ رقميا ومحبط واقعيا
يرى محللون في جريدة واشنطون بوسط أن هذا الجيل هو “الأكثر اتصالا بالعالم والأقل ثقة في مؤسساته”. فقد تربى أبناء الألفية الثانية على وعود التنمية والابتكار، لكنهم وجدوا أنفسهم في سوق شغل ضيق، وسط تفاوت مجالي واجتماعي صارخ.
هذا التناقض بين الطموح العالي والواقع المتعثر هو ما سمته فاينانشل تايمز بـ”صدمة التوقعات الزائدة”؛ حين يكون الشاب مؤهلا رقميا ومتعلما، لكنه عاجز عن ترجمة مهاراته إلى أمن اقتصادي.
التوقيت ليس صدفة
ترى صحيفة لوموند أن انفجار الغضب في 2025 “ليس رد فعل آنيا، بل حصيلة صمت طويل لجيل لم يرث الأحزاب ولا النقابات، بل ورث الإنترنت”.
لقد بلغ هذا الجيل درجة النضج الرقمي والسياسي في وقت واحد، وصار قادرا على تحويل المحتوى الرقمي إلى فعل ميداني خلال ساعات.
فمنصات مثل تيك توك وديسكورد تحولت إلى ما يسميه الباحثون “الفضاء الموازي للمواطنة”، حيث تتم صياغة الشعارات واختبار الأفكار قبل أن تترجم على الأرض.
من الرموز إلى الشارع
في تحليل آخر نشرته قناة الجزيرة، اعتبرت احتجاجات Gen Z 212 أول تعبير منظم، وإن بلا تنظيم رسمي، عن هذا الجيل. فالاحتجاجات لم تبدأ من مقرات أو مكاتب، بل من “رموز رقمية صغيرة، وسخرية ذكية، ومقاطع لا تتجاوز ثلاثين ثانية”. وبالتالي، فالقوة هنا ليست في الحجم بل في اللغة الجديدة التي تفرضها هذه الفئة: خطاب مباشر، ساخر، عابر للخطوط الحمراء التقليدية.
لحظة انكشاف التناقض
أشارت وكالة رويترز إلى أن 2025 كانت “السنة التي اصطدمت فيها سردية النمو الاقتصادي المغربي بواقع الخدمات العمومية المتدهور”.
فبينما ركز الخطاب الرسمي على المشاريع الكبرى والاستحقاقات الدولية، طالب الشباب بميزانية للصحة والتعليم قبل الملاعب.
قال أحد شباب الجيل الغاضب لمراسلة جريدة لوموند في الدار البيضاء: “نريد فخرا نعيشه، لا فخرا نشاهده في نشرات الأخبار“.
سياق عالمي، وقلق محلي
ترى فاينانشل تايمز أن “جيل زيد” في الجنوب العالمي يعيش “هوية عالمية وألما محليا”، فهو يتفاعل مع موجات شبابية في بلدان أخرى، من الاحتجاجات المناخية في أوروبا إلى الحركات الطلابية بأمريكا اللاتينية، لكنه يواجه هشاشة بنيوية مضاعفة. إن التحول الرقمي جعل الشباب المغربي جزءا من جمهور عالمي يتقاسم نفس المفردات: العدالة، الشفافية، والحق في المستقبل.
الدولة أمام جيل بلا وسيط
وفي مقالة تحليلية لواشنطون بوسط، يوصف المأزق السياسي المغربي بأنه “مأزق الإنصات”، فالنظام وجد نفسه أمام جيل لا يتحدث عبر مؤسسات، ولا يقبل وسطاء، لا حزب يمثله، ولا زعيم يتحدث باسمه. وهذه اللاشكلية تمنحه حصانة من الاختراق، لكنها في الوقت نفسه تجعل الحوار معه أكثر صعوبة.
التحول الثقافي العميق
وبحسب لوموند أفريك، فإن جيل زيد المغربي لا يطالب فقط بخدمات، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، إنه جيل يرفض أن يكون تابعا في السردية الوطنية، بل شريكا في صياغتها.
وهذا التحول ليس سياسيافحسب، بل ثقافيا: إذ يتأسس على قيم المساواة، والكرامة، والمحاسبة، أكثر من الولاء أو الانتماء الحزبي.
لماذا الآن؟ لأن اللحظة اكتملت
كل عناصر الانفجار اجتمعت في وقت واحد: نضج رقمي غير مسبوق، إحباط اجتماعي متراكم، وعي عالمي متزايد، غياب وسائط تمثيلية لجيل غير مثقل بالماضي الحزبي أو النقابي، ثم إنه جيل لديه رغبة حقيقية في كتابة سرديته بنفسه.
لهذا ترى فاينانشل تايمز بأن 2025 كانت “اللحظة التي أدرك فيها الشباب المغربي أن الانتظار لم يعد خيارا”. لقد تحول “السكوت الرقمي” إلى صوت وطني جديد، لا يبحث عن مقعد في السلطة، بل عن معنى في المستقبل.
“جيل زيد” لم يكن يبحث عن قادة؛ كان ينتظر لغة يفهم بها نفسه، وقد وجدها أخيرا في الرموز المشتركة للكرامة، العدالة، والمساواة.
في النهاية، ما نراه اليوم ليس احتجاجا ظرفيا، بل تحولا ثقافيا، فهذا الجيل لا “ينفجر” فقط، بل يعيد تعريف معنى المواطنة والانتماء في المغرب الجديد، مواطنة رقمية، فورية، لا مركزية، لكنها مشبعة بحس المسؤولية الجمعية.
إنه جيل لم يرث الحركة الوطنية ولا الاتحاد الاشتراكي ولا الإسلام السياسي؛ بل ورث الإنترنت. ولذلك، حين خرج في الاسبوع الماضي، لم يخرج ليطالب فقط، بل ليعرف بنفسه: “نحن الجيل الذي لا يريد أن يحكم كما حكم السابقون، بل أن يتم الاستماع إليه كما هو.”




















عذراً التعليقات مغلقة