منذ أكثر من أربعة عقود، ارتبط اسم مقاطعة لامبانغ في شمال تايلاند بمحطة ماي موه – Mae Moh – للفحم، وهي الأكبر من نوعها في البلاد، والمصدر الأول للتلوث والانبعاثات الكربونية. شيدت المحطة في سبعينيات القرن الماضي لتكون ركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني، وموردا ثابتا للطاقة الكهربائية التي تعتمد عليها العاصمة بانكوك وبقية الأقاليم الصناعية. لكنها مع مرور السنين تحولت إلى رمز للمعاناة البيئية والصحية، حيث يدفع سكان المنطقة الثمن غاليا في حياتهم اليومية.
فمنذ انطلاقها، بدأت تظهر آثار المحطة على البيئة المحيطة بها. الهواء المليء بغازات الكبريت، والأتربة السوداء المتساقطة على المنازل، والمياه الملوثة القادمة من مخلفات الفحم، كلها عوامل غيرت ملامح الحياة في المنطقة. وأكدت تقارير صحية متعددة أن مقاطعة لامبانغ تسجل أعلى نسب إصابات بأمراض الجهاز التنفسي في تايلاند، وأن آلاف الوفيات سنويا مرتبطة بشكل مباشر بتلوث الهواء. كما أن الكثير من السكان يتحدثون عن أطفال يعانون من الربو، وكبار سن أصيبوا بأمراض قلبية ورئوية حادة، حتى أن بعض القرى المحيطة باتت تعرف محليا بـ”القرى المريضة”.
ورغم إدراك الدولة لهذه الأوضاع، فإن تعاملها ظل بطيئا ومترددا، فبعد احتجاجات قوية في التسعينيات وبداية الألفية، اضطرت الحكومة إلى الاعتراف بالأضرار، وأمرت شركة الكهرباء الحكومية EGAT بتعويض السكان وإعادة توطين جزء منهم بعيدا عن المحطة. غير أن هذه التدابير بقيت جزئية ولم تشمل الجميع، وظلت آلاف الأسر تعيش تحت ظل الدخان والرماد.
التمديد بدل الإغلاق
في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد النقاش الدولي حول التغير المناخي واتفاقية باريس، تعهدت تايلاند بإغلاق وحدات المحطة تدريجيا، على أن يتوقف النشاط بالكامل بحلول سنة 2050. غير أن القرار الأخير بتمديد عمل بعض الوحدات إلى حدود سنة 2048 شكل صدمة للسكان والناشطين، الذين كانوا يترقبون بداية عملية الإغلاق في 2025، حيث يعني التمديد عمليا، استمرار معاناة الأهالي لعقود أخرى، واستمرار تلويث الهواء والمياه والتربة، في تناقض صارخ مع الوعود السابقة.
بررت الحكومة قرارها بكون المحطة تشكل مصدرا مهما للكهرباء الرخيصة، وتوفر آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، وتسهم بنسبة معتبرة في الناتج المحلي للمنطقة. لكن المنتقدين يرون أن هذه الحجج لم تعد مقنعة في وقت أصبحت فيه الطاقات المتجددة بدائل ممكنة ومتاحة، خصوصا مع تجارب دول مجاورة مثل فيتنام التي حققت طفرة كبيرة في مجال الطاقة الشمسية والرياح. وبالنسبة للسكان، فإن استمرار تشغيل ماي موه ليس مسألة اقتصادية بقدر ما هو حكم بالإعدام البطيء عليهم وعلى أطفالهم.
بين الاقتصاد والعدالة المناخية
لم تعد القضية محلية فحسب، بل أصبحت جزءا من النقاش العالمي حول العدالة المناخية. فكيف يمكن لتايلاند أن تتحدث عن التزامها باتفاقية باريس وهي تمدد لعقود إضافية تشغيل أكثر محطاتها تلويثا؟ وكيف يمكن لشركة حكومية أن تضع الأرباح فوق صحة المواطنين الذين يفترض أن تخدمهم؟ إن معركة ماي موه تكشف المفارقة العميقة بين خطاب رسمي يرفع شعار التنمية المستدامة، وواقع عملي يرسخ اعتمادًا على الفحم، أحد أكثر مصادر الطاقة إضرارا بالإنسان والبيئة.
اليوم، يقف أكثر من 40 ألف شخص في محيط المحطة في مواجهة مستقبل غامض. إنهم يعيشون بين وعود مؤجلة ومخاوف حقيقية من أن تستمر حياتهم مرهونة بسحب الدخان والرماد. وما بين مصالح اقتصادية قصيرة المدى، وحق أصيل في هواء نظيف وحياة صحية، تظل محطة ماي موه شاهدا حيا على ثمن يدفعه الضعفاء مقابل أرباح الكبار. ويبقى السؤال الكبير مطروحا حول هل ستختار تايلاند مستقبلا نظيفا لأبنائها، أم ستستمر في حرق الفحم، وتحرق معه فرصها في العدالة البيئية والاجتماعية؟






















عذراً التعليقات مغلقة