تبهرنا السماء أحيانا بنسج مشاهد غير مألوفة، ومنها ظاهرة السحابة الأسطوانية أو ما يعرف بالإنجليزية بـ Roll Cloud، والاسم العلمي لها هو Altocumulus volutus. هذه السحب النادرة تأخذ شكل أسطوانة ممتدة أفقيا على مسافات قد تتجاوز مئات الكيلومترات، فتبدو وكأنها قطار أبيض يتدحرج ببطء فوق الأفق.
تنتمي السحابة الأسطوانية إلى فئة “سحب القوس” (Arcus Clouds) لكنها تختلف عن السحابة الركامية الجدارية المعروفة، لأنها منفصلة عن أي نظام سحبي رئيسي. تتكون هذه الظاهرة حينما يندفع الهواء البارد الكثيف تحت الهواء الساخن الرطب، فيرفع الأخير نحو الأعلى فيتكثف بخط طويل من السحب. ومع استمرار حركة الرياح، يبدأ هذا التشكيل السحبي في التدحرج على محوره الأفقي في مشهد يثير الخيال.
يعتبر أشهر مكان على وجه الأرض لظهور هذه الظاهرة بشكل متكرر هو خليج كارانتاريا في شمال أستراليا، حيث يلتقي نسيمان بحريان من الشرق والغرب فوق شبه جزيرة كيب يورك. هذا التلاقي يولّد اضطرابا جويا ليليا، ومع شروق الشمس تظهر السحابة على هيئة أسطوانة سحابية تعرف هناك بـ Morning Glory Cloud. وقد يصل طول هذه السحابة الواحدة إلى أكثر من 300 كيلومتر، ويصفها الطيارون بأنها “أعجوبة جوية” تتيح لهم تجربة تحليق فريدة، إذ يمكن الانزلاق على طولها مثل موجة بحرية سماوية.
لكن هذه السحب ليست حكرا على أستراليا. فقد ظهرت بين الفينة والأخرى في مناطق ساحلية أخرى كالأرجنتين والبرازيل وكندا، وحتى على سواحل أوروبا. أحد أبرز المشاهد الحديثة جرى في شمال البرتغال، حين التقط المصطافون مشاهد لسحابة أسطوانية تمرّ على الشاطئ مثل تسونامي أبيض متحرك، مما أثار ذهول السكان المحليين وأعاد الجدل حول ندرة هذه الظواهر.
ومن الناحية العلمية، لا ترتبط السحابة الأسطوانية بعواصف شديدة أو كوارث مباشرة، لكنها غالبا ما تصاحبها تغيرات سريعة في الطقس مثل انخفاض درجات الحرارة وزيادة سرعة الرياح. هذه العلامات تجعلها جزءا من دينامية مناخية محلية، لكنها تبقى في النهاية عرضا بصريا مذهلا أكثر من كونها تهديدا.
أما في المغرب، فلا توجد سجلات علمية أو أرصادية تؤكد ظهور هذه الظاهرة. مناخ المغرب المتوسطي وشبه الصحراوي يجعل حدوثها شبه مستحيل، لأن تكوينها يتطلب شروطا دقيقة؛ كتلاقي تيارات بحرية متعارضة، ورطوبة عالية، وبنية تضاريسية خاصة كما هو الحال في خليج كارانتاريا. ومع ذلك، يبقى احتمال ظهورها بشكل عابر واردا في سياقات مناخية استثنائية، ما سيجعل رصدها حدثا بيئيا غير مسبوق يضيف لمسة إعجازية إلى سماء المملكة.
تظهر ظاهرة السحابة الأسطوانية أن الطبيعة لا تكف عن مفاجأتنا. فهي مثال حي على أن السماء، رغم أنها جزء مألوف من حياتنا اليومية، تخفي وراءها مسرحا من العجائب الجوية التي تتجاوز الخيال وتذكّر الإنسان بضعفه أمام أسرار الكون.
السحابة الأسطوانية.. الأسطوانة السماوية المتدحرجة عبر الأفق

إيمان بنسعيد



















عذراً التعليقات مغلقة