تواجه الدول التلوث باستعمال أدوات قانونية ومالية في آن واحد. وتفرض الدول ضرائب ورسوما خاصة تسمى الجباية البيئية لتجعل من التلوث فعلا مكلفا، ولتحول الأموال المتحصلة إلى مشاريع إصلاحية. وتطرح هذه الآلية سؤالا جوهريا: هل تعاقب الجباية البيئية الملوث فقط، أم تصلح الأضرار أيضا؟
1 – الجباية البيئية كأداة عقابية
الجباية البيئية تعاقب، لأنها تطبق مبدأ الملوث الدافع. وتجعل الغرامات والرسوم من التلوث عبئا ماليا يردع الفاعلين الاقتصاديين عن ممارساته. في المغرب مثلا، فرض القانون رقم 77.15 المتعلق بحظر الأكياس البلاستيكية غرامات على من يصنع أو يسوق هذه الأكياس. ولم يكن الهدف مجرد تحصيل المال، بل دفع الشركات والتجار إلى البحث عن بدائل تحمي البيئة.كما ويجسد القانون رقم 27.13 المتعلق بالمقالع نفس المنطق، إذ يلزم المستغلين بدفع مساهمات مالية عن كل متر مكعب من الرمال أو الأحجار المستخرجة، مع إعادة تهيئة المواقع بعد الاستغلال. وهكذا يتحمل المستغِل التكلفة الحقيقية لاستغلاله بدل أن يترك العبء على المجتمع.
2- الجباية البيئية كأداة إصلاحية
لا يقتصر دور الجباية البيئية على العقاب والردع، بل يتجاوزه إلى إصلاح الأضرار وتمويل السياسات البيئية. فهي تحول الغرامات والرسوم المحصلة إلى موارد مالية يمكن استثمارها في تحسين جودة العيش وحماية الموارد الطبيعية. وبذلك تصبح وسيلة عملية لتدارك الآثار السلبية للتلوث، بدل أن تبقى مجرد أداة زجرية.
ويبرز هذا البعد الإصلاحي بشكل واضح في القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها، الذي يتيح إحداث رسوم تخصص لتمويل عمليات جمع النفايات ومعالجتها وإعادة تدويرها. فبدل أن تبقى المداخيل مجرد أرقام في الميزانية، تتحول إلى مشاريع ملموسة تساهم في نظافة المدن، وتحمي الصحة العامة، وتخلق فرصا جديدة في مجال الاقتصاد الأخضر.
وبهذه الآلية، تعيد الجباية البيئية التوازن بين الاقتصاد والبيئة؛ فهي لا تكتفي بردع الملوث، بل تجعل منه مساهما في إصلاح ما أفسده، بما يضمن استدامة الموارد وحماية حق المواطن في بيئة سليمة.
وللتوضيح أكثر، فعندما يرمي شخص كيسا بلاستيكيا في الشارع، يضطر عمال النظافة والجماعة إلى تحمل تكاليف إضافية لجمعه ونقله. إذا لم يكن هناك غرامة، سيتحمل المواطنون كلهم هذه الكلفة. لكن بفضل الجباية البيئية، يلزم القانون المخالف بالدفع، وتستعمل هذه الأموال لتقوية خدمات النظافة أو تمويل بدائل بيئية. النتيجة بسيطة: من يلوث يدفع، ومن يحافظ على البيئة لا يتضرر.
من خلال ما سبق، يتضح أن الجباية البيئية، تجمع بين الردع والإصلاح، فهي تعاقب الملوث على أفعاله، لكنها في الوقت نفسه تصلح الأضرار بتمويل حلول مستدامة. وتظهر التجربة المغربية أن فعاليتها الحقيقية ترتبط بالشفافية في توجيه الموارد، حتى يلمس المواطن أثرها المباشر في حياته اليومية، لكن إذا لم تخصص هذه الموارد فعلا للبيئة، قد تتحول الجباية البيئية إلى مجرد ضريبة مالية إضافية تثقل كاهل المجتمع بدل أن تحميه. لهذا، يبقى الرهان في الحكامة الرشيدة والشفافية، حتى يظل الهدف الأساسي هو حماية الطبيعة وصون حق المواطن في بيئة سليمة.




















عذراً التعليقات مغلقة