تشهد المملكة، منذ سنوات، تصاعدا لافتا في معدلات هجرة الطلبة نحو مؤسسات التعليم العالي الأجنبية، وهو اتجاه بات يترجم اليوم في تقارير إحصائية دولية وتصنيفات مستقبلية. فقد صنف تقرير QS Global Student Flows 2025 المغرب ضمن الدول الخمس الأولى الأسرع نموا في تصدير الطلبة الدوليين بحلول سنة 2030، إلى جانب نيجيريا، إندونيسيا، الكاميرون، وفيتنام.
1. أرقام الهجرة الطلابية المغربية: من الاتجاه إلى الظاهرة
وفقا لبيانات UNESCO UIS، بلغ عدد الطلبة المغاربة المسجلين في مؤسسات التعليم العالي بالخارج قرابة 56.000 طالب سنة 2022، مقارنة بـ 45،000 طالب سنة 2015، بمعدل نمو سنوي يفوق 3.2٪. وتظهر البيانات أن فرنسا لا تزال الوجهة الأولى، بنسبة تفوق 75٪ من الطلبة المغاربة المهاجرين، تليها كندا، بلجيكا، ألمانيا، وتركيا.
وحسب تقرير ICEF Monitor 2024، فإن المغرب يحتل المرتبة الثالثة إفريقيا بعد نيجيريا ومصر من حيث عدد الطلبة المبتعثين، والمرتبة العشرين عالميا في ترتيب الدول المصدرة للطلبة.
2. لماذا يهاجر الطلبة المغاربة؟
أ- الأسباب الداخلية
-الاكتظاظ والتفاوتات في التعليم العالي: بلغ عدد المسجلين في الجامعات العمومية المغربية أكثر من 1.2 مليون طالب سنة 2023، أي بزيادة تجاوزت 40٪ خلال عقد واحد، في مقابل بنية تحتية ومقاعد بيداغوجية محدودة، ما يجعل كثيرا من الطلبة ذوي المعدلات المرتفعة يلجؤون إلى الخارج.
-محدودية التخصصات الحديثة: لا تزال بعض المسارات مثل الذكاء الاصطناعي، الهندسة الطبية الحيوية، أو الدبلوماسية الدولية… غير ممثلة بشكل كاف في العرض الجامعي الوطني.
-محدودية سوق شغل الوطني: يرى عدد من الطلبة أن الشهادات الدولية توفر أفقا أكبر للتوظيف محليا أو دوليا، وسط بطالة خريجين تجاوزت 18٪ سنة 2023 بحسب المندوبية السامية للتخطيط.
ب- الأسباب الخارجية
-سياسات تعليمية أوروبية مرحبة: منذ 2021، عززت دول كفرنسا وألمانيا وكندا من منح تأشيرات الدراسة للطلبة المغاربة، كما أن فرنسا مثلا تستقبل سنويا أكثر من 44.000 طالب مغربي، وتخصص منحا حكومية، خاصة مثل منح Campus France وEiffel.
-سهولة الاعتراف بالشهادات المغربية: بفعل اتفاقيات الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، يتم الاعتراف بسهولة بشهادات البكالوريا المغربية، خصوصا في النظام الفرنسي، وهو ما يسهل عملية التسجيل دون اختبارات إضافية.
-اللغة والثقافة: يشكل التكوين بالفرنسية عاملا جاذبا نحو مؤسسات كندية وبلجيكية، بينما يفضل آخرون الأنظمة الأنجلوفونية لأسباب مهنية لاحقة.
3. لماذا يقبل الطلبة المغاربة بسهولة في الجامعات الأجنبية؟
-التميز الأكاديمي: تشير بيانات سنة Campus France 2023 إلى أن 60٪ من الطلبة المغاربة، المقبولين في فرنسا، ينتمون للثلث الأعلى من خريجي الثانوية العامة، ويتمتعون بقدرات لغوية قوية، خصوصا في الفرنسية والإنجليزية.
-القدرة على الاندماج الثقافي: يتمتع الطلبة المغاربة بخلفية ثقافية مزدوجة، بين عربية وفرنسية، تجعلهم قادرين على التكيف بسرعة مع المناهج الغربية.
-الكفاءة والطلب المتزايد على الكفاءات من الجنوب: في ظل شيخوخة السكان في أوروبا، أصبحت جامعات كثيرة تبحث عن طلبة من إفريقيا الناطقة بالفرنسية لتغذية سوق الشغل لاحقا.
4. توقعات المستقبل
وفق QS Global Student Flows 2025، من المتوقع أن يضاعف عدد الطلبة المغاربة في الخارج ليصل إلى نحو 100.000 طالب بحلول 2030، مما يثير تساؤلات حول استنزاف الأدمغة إذا لم يتم استقطاب هذه الطاقات بعد التخرج.
كما توصي تقارير OECD وUNESCO بضرورة اعتماد آليات الدورة المعكوسة للهجرة Reverse Mobility من خلال برامج تشجيع العودة، أو ربط الكفاءات بالخارج بمشاريع بحثية وتنموية في بلدهم الأم.
لم تعد هجرة الطلبة المغاربة حالة فردية أو نخبوية، بل أصبحت تشكل ظاهرة مدفوعة بأسباب داخلية مرتبطة بجودة التعليم الوطني، وأخرى خارجية تتصل بسياسات جذب المواهب في أوروبا وأمريكا الشمالية.
ورغم إيجابيات التكوين الدولي، فإن التحدي الأبرز اليوم يتمثل في تحويل هذه الهجرة من هروب إلى فرصة، ومن نزيف إلى استثمار في رأس المال البشري الوطني.




















عذراً التعليقات مغلقة