يعد الحق في الغذاء أحد أبرز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي كرّستها منظومة حقوق الإنسان، باعتباره ركيزة من ركائز الكرامة الإنسانية، وشرطا جوهريا للتمتع بحقوق أخرى كالحق في الصحة والحياة الكريمة. وقد نصت عليه بوضوح المواثيق الدولية، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، إضافة إلى التعليقات العامة الصادرة عن هيئات أممية【1】.
غير أن هذا الحق يواجه تهديدات متصاعدة بفعل التغيرات المناخية التي باتت تلقي بظلالها الثقيلة على المنظومات البيئية والإنتاجية، حيث تؤثر على كمية ونوعية الموارد الطبيعية، وتربك أنماط الإنتاج الفلاحي، وتقوض الأمن الغذائي، لا سيما في البلدان النامية التي تعاني هشاشة بنيوية، ومنها المغرب【2】.
لقد غدا الحق في الغذاء التزاما قانونيا ملزما للدول، وليس مجرد واجب أخلاقي، حيث يفرض القانون الدولي على الحكومات اتخاذ التدابير اللازمة لضمان توافر الغذاء، وإمكانية الحصول عليه، واستدامته، مع مراعاة الضغوط البيئية والتحولات المناخية التي تهدد هذه الأبعاد مجتمعة【3】.
تسعى هذه الدراسة إلى تحليل إشكالية الحق في الغذاء من زاوية قانونية ومناخية متقاطعة، من خلال رصد التأصيل الدولي لهذا الحق، وتشخيص مدى تفعيله في السياق المغربي، في ظل التحديات البيئية والمناخية المتفاقمة.
أولا: الإطار القانوني الدولي للحق في الغذاء في ظل التغيرات المناخية
- التأصيل الدولي للحق في الغذاء كحق من حقوق الإنسان
أقرّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) في مادته 25 بأن “لكل شخص الحق في مستوى معيشي يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته، وخاصة فيما يتعلق بالغذاء والكساء والمسكن والرعاية الطبية…”【4】، ما يعني أن الحق في الغذاء يعد من مقومات العيش الكريم التي لا غنى عنها.
كما نص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966) في مادته 11 على “الحق في مستوى معيشي كافٍ يشمل الغذاء الكافي”، والتزام الدول الأطراف بـ”اتخاذ التدابير المناسبة لتحسين أساليب الإنتاج الزراعي وضمان التوزيع العادل للغذاء”【5】. وقد اكتسب هذا النص قوة قانونية ملزمة، إذ إن الدول المصادقة عليه، ومنها المغرب، ملزمة بتقديم تقارير دورية إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان توضح فيها جهودها في تحقيق هذا الحق.
ومن أبرز الوثائق التفسيرية التي عززت مفهوم هذا الحق، نجد التعليق العام رقم 12 الصادر عن اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1999، والذي عرّف الحق في الغذاء بأنه “الحق في التوفر المنتظم والدائم، والحصول الحر والمضمون، على غذاء كافٍ كميا ونوعيا، يتماشى مع العادات الغذائية للأفراد، ويكفل حياة خالية من الجوع ومليئة بالنشاط والصحة”【6】.
وبهذا، أصبحت الدول ملتزمة، ليس فقط بتوفير الغذاء كمادة استهلاكية، بل بإرساء سياسات عمومية مستدامة تعالج الجذور الهيكلية لانعدام الأمن الغذائي، وتكفل الحماية القانونية لهذا الحق في مواجهة كافة التهديدات، بما فيها التغيرات المناخية.
- التغيرات المناخية كعامل مهيكل يهدد الأمن الغذائي العالمي
تشير الأدبيات العلمية وتقارير المنظمات الدولية إلى أن التغيرات المناخية لم تعد ظاهرة بيئية فحسب، بل أصبحت تهديدا بنيويا لحق الإنسان في الغذاء، بما تسببه من اختلالات عميقة في النظم البيئية والزراعية. فقد أكد تقرير الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC) لسنة 2022 أن الاحترار المناخي يضعف ركائز الأمن الغذائي الأربعة: التوفر، الولوج، الاستقرار، والجودة التغذوية【7】.
ومن أبرز آثار التغيرات المناخية على الغذاء: ارتفاع درجات الحرارة، تزايد وتيرة الجفاف والتصحر، تراجع الموارد المائية، اضطراب المواسم الزراعية، وتفاقم الآفات والأمراض النباتية، وهي كلها عوامل تقلص الإنتاج الزراعي وتضاعف التكاليف، ما يهدد الاستقرار الغذائي خصوصا في الدول ذات القدرة المحدودة على التكيف【8】.
كما أن أهداف التنمية المستدامة، لاسيما الهدف الثاني المتعلق بالقضاء على الجوع، والهدف الثالث عشر الخاص بمكافحة التغير المناخي، يكشفان عن ترابط بنيوي بين قضايا الغذاء والبيئة. فلا يمكن تحقيق أمن غذائي دائم دون ضمان مرونة النظم الزراعية في مواجهة التحولات المناخية، أو كما يؤكد تقرير منظمة الأغذية والزراعة “لا تنمية دون مناخ مستقر”【9】.
إن التحولات المناخية تمس القدرة السيادية للدول على ضمان الغذاء لمواطنيها، ما يفرض إعادة التفكير في السياسات الفلاحية والبيئية، وربطها بمنظومة العدالة المناخية والحق في الحياة الكريمة.
ثانيا: واقع الحق في الغذاء في المغرب بين النصوص القانونية والتحديات المناخية
- التزامات المغرب الدولية والجهود الوطنية
يعد المغرب من بين الدول المصادقة على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية منذ عام 1979، كما انخرط في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة المعتمدة من طرف الأمم المتحدة في أفق سنة 2030، وعلى رأسها الهدف الثاني المتعلق بالأمن الغذائي【10】.
دستوريا، نص الفصل 31 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 على “الحق في الحصول على الماء، وعلى العيش في بيئة سليمة، والتمتع بالحماية من مخاطر الأوبئة والظروف الصعبة”، وهي حقوق ترتبط بشكل وثيق بالحق في الغذاء من حيث التداخل الموضوعي بين الماء، البيئة، والصحة الغذائية【11】.
أما على صعيد السياسات العمومية، فقد اعتمد المغرب برامج استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي، أبرزها:
- مخطط المغرب الأخضر (2008-2020)، الذي سعى إلى تحسين الإنتاجية الزراعية وتعزيز سلاسل القيمة الفلاحية، من خلال مقاربة مزدوجة تستهدف الفلاحين الكبار والصغار【12】.
- استراتيجية الجيل الأخضر (2020-2030)، التي ترتكز على تقوية الطبقة الفلاحية الوسطى، وضمان الاستدامة البيئية للأنشطة الفلاحية، وتحديث سلاسل الإنتاج، ودمج النساء والشباب في الدورة الاقتصادية الريفية【13】.
ورغم الجهود المبذولة، فإن الأمن الغذائي الوطني ما يزال يواجه تحديات هيكلية، خصوصا أن القطاع الفلاحي المغربي يظل معتمدا بشكل كبير على التساقطات المطرية، ما يجعله عرضة للاضطراب في حال حدوث اختلالات مناخية.
- آثار التغيرات المناخية على الأمن الغذائي في المغرب
شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التغيرات المناخية الحادة، تمثلت في توالي مواسم الجفاف، تراجع التساقطات بنسبة تصل إلى 50% في بعض السنوات، انخفاض حقينة السدود، ونضوب الفرشات المائية، مما أثّر سلبا على الإنتاج الزراعي والحيواني【14】.
وبحسب تقرير البنك الدولي لسنة 2023، فإن المغرب يعد من الدول الأكثر تعرضا للمخاطر المناخية بمنطقة شمال إفريقيا، لاسيما في ما يتعلق بالزراعة والموارد المائية والأمن الغذائي، وهو ما يستوجب تعزيز مرونة الاقتصاد الوطني وتطوير استراتيجيات تكيّف فعالة【15】.
وقد أدى هذا الوضع إلى ارتفاع أسعار المواد الأساسية، لا سيما الحبوب والخضر والفواكه، بالإضافة إلى تراجع الإنتاج الحيواني بسبب نقص الأعلاف، ما انعكس على أسعار اللحوم والحليب، وزاد من معاناة الأسر الفقيرة والهشة في الوصول إلى غذاء كاف وبأسعار مقبولة【16】.
وتشير بيانات المندوبية السامية للتخطيط إلى تراجع نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي، وارتفاع معدلات الاعتماد على الاستيراد، مما يضعف السيادة الغذائية للمغرب، ويجعل الحق في الغذاء أكثر هشاشة في سياق عالمي مضطرب【17】.
أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة إلى إصلاح السياسات الفلاحية والمائية في اتجاه أكثر استدامة، من خلال دعم الزراعات المقاومة للجفاف، وتحديث أنماط الإنتاج، وتشجيع التحول إلى اقتصاد زراعي ذكي مناخيا، وربط هذه الجهود بمقاربة قائمة على العدالة الاجتماعية والبيئية.
خاتمة
إن ضمان الحق في الغذاء في سياق التغيرات المناخية لا يعد ترفا سياسيا، بل هو التزام دستوري وقانوني يجب على الدولة المغربية الوفاء به، عبر تطوير نموذج تنموي مندمج، يراعي الترابط الوثيق بين البيئة، المناخ، والتنمية البشرية.
ويقتضي هذا المسار ترسيخ مفهوم “السيادة الغذائية المستدامة”، من خلال حماية الموارد الطبيعية، وتحسين الحوكمة البيئية، وضمان الولوج العادل إلى الغذاء كحق إنساني شامل. فالمعركة من أجل الغذاء ليست فقط معركة إنتاج، بل معركة كرامة وعدالة في عالم تتزايد فيه الفجوات بين من يملك الغذاء ومن يحرم منه.
الهوامش:
- Olivier De Schutter, Report on the Right to Food, UN Doc. A/HRC/19/59, 2011.
- FAO, The State of Food Security and Nutrition in the World, 2022.
- CESCR, General Comment No. 12, 1999.
- Universal Declaration of Human Rights, Article 25.
- International Covenant on Economic, Social and Cultural Rights, Article 11.
- CESCR, General Comment No. 12, E/C.12/1999/5.
- IPCC, Climate Change 2022: Impacts, Adaptation and Vulnerability, Working Group II.
- FAO, Climate Change and Food Security: Risks and Responses, 2016.
- United Nations, Sustainable Development Goals Report, 2023.
- UN Treaty Body Database – Morocco Status of Ratification.
- دستور المملكة المغربية 2011، الفصل 31.
- وزارة الفلاحة المغربية، تقرير تقييم مخطط المغرب الأخضر، 2020.
- وزارة الفلاحة، استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030، الرباط، 2021.
- وزارة التجهيز والماء، التقرير السنوي حول الوضعية المائية، الرباط، 2023.
- World Bank, Country Climate and Development Report – Morocco, 2023.
- HCP, Bulletin trimestriel des prix à la consommation, 2024.
- HCP, Note sur la sécurité alimentaire des ménages, 2024.




















عذراً التعليقات مغلقة