أسد الأطلس.. من زئير الجبال إلى ذاكرة الأجيال

ECO1727 يونيو 2025

أسد الأطلس.. من زئير الجبال إلى ذاكرة الأجيال
إيمان بنسعيد

يشكل أسد الأطلس Panthera leo leo رمزا بيئيا وثقافيا فريدا في الذاكرة المغربية، حيث اقترن اسمه بالقوة والشموخ والطبيعة الجبلية العريقة.

عاش هذا الأسد البربري لقرون في مرتفعات الأطلس الكبير والصغير، وتميز بلبدته السوداء الكثيفة وبنيته القوية، قبل أن يختفي من البرية، ويخلد اليوم في رموز الدولة، وفي مشاريع الحفاظ على التنوع البيولوجي.

شوهد أسد الأطلس آخر مرة في البرية خلال أربعينيات القرن الماضي، وفق ما تناقلته بعض الروايات والمصادر الفرنسية، حيث يقال إن طائرة عسكرية التقطت له صورة وهو يسير وحيدا وسط ثلوج الأطلس. ومنذ ذلك الوقت، اختفى زئيره من الجبال، وبدأت محاولات تعقب أثره علميا وتاريخيا، سواء عبر الاكتشافات الأحفورية أو عبر برامج حماية الأصناف المهددة.

اكتشافات أثرية تعيد كتابة التاريخ

أعلن المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، في دجنبر 2022، عن اكتشاف بقايا عظمية لأسد الأطلس في موقع بيزماون بإقليم الصويرة، وهو اسم أمازيغي يعني موطن الأسود. عثر على هذه البقايا داخل طبقات أركيولوجية يزيد عمرها عن 100 ألف سنة، وفق ما أكده الدكتور عبد الجليل بوزوكار، مدير المعهد وقائد فريق التنقيب.

كشفت الحفريات عن لقى أثرية أخرى في سبعة مواقع مغربية مختلفة، أبرزها موقع أهل الغلام قرب الدار البيضاء، حيث اكتشفت عظام متحجرة تعود إلى أكثر من مليونين ونصف المليون سنة، نُسبت إلى جنس يعتقد أنه سلف مباشر لأسد الأطلس. وتشير التحليلات إلى أن الشكل الحالي للأسد تطور منذ حوالي 300 إلى 400 ألف سنة، ما يعكس عمق استقراره في البيئة المغربية.

جهود وطنية لإحياء السلالة المهددة

احتضنت حديقة الحيوانات الوطنية بالرباط برنامجا علميا لحماية سلالة أسد الأطلس، التي نقلت إلى محمية طبيعية بعد اختفائها من البرية، خاصة تلك التي نشأت من هدايا ملكية قديمة أو نقلت من حدائق أوروبية. يبلغ عدد الأسود بالحديقة 33 إلى نهاية 2024، بعد سنوات من التدخل العلمي الهادف إلى توثيق نسبها الجيني وتكاثرها في ظروف مراقبة.

نصبت الحديقة عند مدخلها مجسما ضخما لأسد الأطلس كرمز للاستقبال، وافتتحت معرضا هو الأول من نوعه، يضم اللقى العظمية الأثرية المكتشفة في مختلف أنحاء المملكة.

من شعار المملكة إلى حكايات الأجداد

يحضر أسد الأطلس بقوة في شعار المملكة، حيث يقف أسدان على جانبي الدرع الملكي، في تجسيد رمزي للهيبة والكرامة الوطنية. ويواصل هذا الحيوان العيش في الثقافة الشعبية المغربية، حيث يستحضر في الحكايات والأمثال باعتباره “سيد الجبل” و”أقوى الكائنات”، رغم انقراضه من موطنه الأصلي.

يمتد تأثيره كذلك إلى المجال التربوي والبيئي، حيث يدرس وجوده ضمن الكائنات المهددة بالانقراض، ويوظف كمثال على الحاجة لحماية التنوع الطبيعي في وجه التغيرات المناخية والنشاط البشري غير المستدام.

تجسد قصة أسد الأطلس تحولا عميقا في علاقة الإنسان بالمحيط الطبيعي، من زمن كان فيه هذا الحيوان ملكا للجبال، إلى زمن تروى فيه حكايته خلف الأسوار، وتعرض رفاته في متاحف مفتوحة. وبين ما حفظته العظام، وما يحتضن اليوم في فضاءات علمية محمية، يتجدد السؤال حول دور الإنسان في حماية الرموز البيئية المهددة.

ليست حماية أسد الأطلس مجرد إجراء بيولوجي، بل هي أيضا استعادة لذاكرة وطنية حية، وتجديد لرابط روحي مع الطبيعة. وإن كان الزئير قد خفت في الجبال، فإن صداه لا يزال يسمع في المختبرات والمعارض والرموز، ليعلمنا أن الطبيعة لا تنسى من حفظها.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق