تعيش مدينة فينيسيا الإيطالية، منذ سنوات، على وقع ظاهرة موسمية متكررة تعرف باسم “أكوا ألتا”، وتعني المياه العالية. وهي فيضانات مدّية قصيرة الأجل، تتسبب في ارتفاع منسوب المياه داخل المدينة، مما يؤدي إلى غمر الشوارع والساحات الرئيسية، خاصة ساحة سان ماركو الشهيرة. ورغم أن هذه الظاهرة ليست جديدة، فإن سنة 2025 تشهد تصاعدا في وتيرتها وآثارها، الأمر الذي يثير قلق السلطات والسكان على حد سواء.
تشير المعطيات المسجلة منذ بداية السنة الجارية إلى ارتفاع ملحوظ في عدد المدات العالية التي تتجاوز 80 سنتيمترا، وهو ما يشكل عتبة حرجة لبدء غمر أجزاء من المدينة. وقد اضطرت السلطات إلى تفعيل نظام MOSE للحماية البحرية نحو 28 مرة خلال 2024 وحده، في حين تجاوز عدد التدخلات منذ تشغيل النظام سنة 2020 أكثر من 97 مرة. ويؤكد هذا التزايد أن فينيسيا تواجه تهديدا متناميا بسبب التغير المناخي وارتفاع مستوى سطح البحر.
ساهم نظام MOSE، وهو عبارة عن سلسلة من الحواجز المتحركة التي تُرفع من قاع البحر عند توقع الفيضانات، بشكل كبير في تقليل الضرر المادي ومنع تسرب المياه إلى المدينة. ومع ذلك، يثير هذا النظام جدلا بين علماء البيئة، إذ يُخشى أن يؤدي إلى اختلال التوازن البيئي في البحيرة، خاصة من حيث الرواسب الطبيعية وصحة المستنقعات الملحية التي تلعب دورا بيئيا حيويا في استقرار النظام الإيكولوجي المحلي.
في موازاة ذلك، تعمل سلطات المدينة على تعزيز قدرة التنبؤ بالفيضانات. فقد تم تحديث نظام الإنذار المبكر، الذي يعتمد على التنبؤات الجوية والمدّية، إلى جانب توسيع قنوات التواصل عبر الإنترنت وتطبيقات الهاتف المحمول ومنصات الرسائل. وتم اعتماد صفارات الإنذار الصوتية في 18 نقطة حساسة داخل المدينة، كما تم نشر الجدول الفلكي للمد 2025 بشكل مبكر، وتحديد فترة وضع الممرات المؤقتة المرتفعة لفائدة السكان والزوار من منتصف سبتمبر إلى نهاية أبريل.
ويجمع الخبراء على أن “أكوا ألتا” لم تعد ظاهرة موسمية معزولة، بل أصبحت مؤشرا واضحا على هشاشة فينيسيا في مواجهة تغير المناخ. فمع توقع ارتفاع عدد أيام الفيضانات إلى أكثر من 260 يوما سنويا بحلول نهاية القرن، تتحول هذه المدينة العائمة من رمز للجمال والروعة إلى نموذج حي للتحديات البيئية التي تواجه مدن العالم الساحلية.
أمام هذا الوضع، تبقى معادلة التوازن بين حماية المدينة والحفاظ على منظومتها البيئية الدقيقة من أبرز التحديات التي تواجه سلطات فينيسيا والمجتمع الدولي ككل. فالمياه التي كانت تاريخيا مصدر ازدهار المدينة، قد تصبح يوما ما سببا في تهديد وجودها.




















عذراً التعليقات مغلقة