أعلن بنك التنمية لأمريكا اللاتينية والكاريبي عن مضاعفة استثماراته في الاقتصاد الأزرق لتصل إلى 2.5 مليار دولار أمريكي بحلول 2030، بعد أن كانت الخطة الأصلية تقضي بضخ 1.25 مليار دولار فقط خلال الفترة ما بين 2022 و2026. جاء هذا الإعلان خلال منتدى “الاقتصاد الأزرق والتمويل” الذي عقد في إمارة موناكو في 7 يونيو 2025، وشكل فرصة لعرض رؤية البنك الجديدة في ما يخص إدارة الموارد البحرية بشكل مستدام في المنطقة.
يأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد لأهمية المحيطات والأنظمة البيئية الساحلية في دعم الاقتصاد وحماية التنوع البيولوجي ومواجهة التغير المناخي. ويعتزم البنك توجيه هذه الاستثمارات نحو مشاريع متنوعة تشمل حماية واستعادة النظم البيئية البحرية، وتطوير الموانئ والنقل البحري منخفض الانبعاثات، إلى جانب دعم السياحة المستدامة، وتعزيز الطاقة المتجددة من المحيطات، وتطبيق تقنيات حيوية بحرية، بالإضافة إلى تحسين الحوكمة البيئية من خلال مكافحة الصيد غير القانوني وتحسين شبكات معالجة مياه الصرف الصحي.
وقد بدأت بعض هذه المشاريع بالفعل على أرض الواقع. ففي الإكوادور، يدعم البنك مشروعا لتحويل مزارع الروبيان إلى استخدام الطاقة الشمسية لتقليل البصمة الكربونية لصناعة تعد من الأعمدة الاقتصادية الساحلية. وفي البرازيل، تم إطلاق مبادرة لتنظيف مصب نهر تيتي Tietê الذي يصب في المحيط الأطلسي، في حين تنفذ السلفادور برنامجا واسعا لإعادة تأهيل النظم البيئية لغابات المانغروف، لما لها من دور حاسم في عزل الكربون وحماية السواحل من التآكل.
يشكل هذا الاستثمار استجابة مباشرة لحاجة ملحة في المنطقة، حيث يعيش نحو 27% من سكان أمريكا اللاتينية والكاريبي في مناطق ساحلية، وتضم المنطقة 47 من أصل 258 بيئة بحرية فريدة في العالم. وقد سبق للبنك أن موّل منذ عام 2022 مشاريع بقيمة تجاوزت 1.32 مليار دولار في 16 دولة، شملت مبادرات لإزالة التلوث من السواحل، وتوسيع البنية التحتية للموانئ، وتمكين المجتمعات الساحلية من إدارة مواردها الطبيعية بشكل أكثر استدامة.
وإلى جانب حجم التمويل، يعكف البنك على تطوير أدوات مالية مبتكرة لتعزيز الاستدامة البحرية، من بينها السندات الزرقاء، واعتمادات التنوع البيولوجي، وآليات تبادل الديون مقابل الحفاظ على الطبيعة. وتسعى هذه الأدوات إلى جذب استثمارات إضافية وتحفيز الحكومات والقطاع الخاص على الالتزام بتمويل مشاريع قائمة على الاقتصاد الأزرق، بما يضمن توزيعا أوسع للفوائد البيئية والاقتصادية.
ومن منظور تحليلي، فإن مضاعفة استثمارات اقتصاد المحيطات تعكس تحولا جوهريا في أولويات التنمية الإقليمية. فهي تشير إلى إدراك متزايد بأن النمو الاقتصادي لم يعد ممكنا من دون مراعاة الاعتبارات البيئية، وخاصة في ظل التحديات المناخية وارتفاع منسوب البحار وتدهور المخزونات السمكية. كما يتوقع أن يحدث هذا الاستثمار تحفيزا لنقل التكنولوجيا إلى المنطقة، وتعزيزا للتكامل بين الدول الساحلية، خاصة في ما يخص حماية الشواطئ المشتركة ومكافحة الجرائم البيئية العابرة للحدود مثل الصيد غير المشروع.
إن هذه الخطوة تعتبر من وجهة نظر العديد من الخبراء ليست فقط إجراء بيئيا، بل أيضا فرصة اقتصادية لإعادة هيكلة اقتصادات الساحل في أمريكا اللاتينية، وتحقيق تنمية محلية قائمة على موارد طبيعية تتم إدارتها بشكل مستدام. كما يتوقع أن تخلق هذه المشاريع آلاف الوظائف الجديدة، خاصة في قطاعات السياحة البيئية وتربية الأحياء المائية والطاقة الزرقاء، مما يُعزز من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المجتمعات الساحلية.



















