من العجين الطبيعي إلى العجين الصناعي: الغلوتين لم يتغير، طريقة تخميره هي التي تغيرت…
قبل انتشار الخميرة الصناعية، كانت الخميرة البلدية ،أي الخميرة الطبيعية أو العجين المخمر، تشكل العمود الفقري للمطبخ المغربي، سواء في القرى أو المدن. وظل الاعتماد عليها سائدا إلى ما بعد فترة الاستقلال، حيث كانت النساء يحتفظن بـ“الخميرة الأم” ويجددنها باستمرار، في ممارسة غذائية متوارثة تجمع بين الاقتصاد في الموارد، وجودة التغذية، واحترام الإيقاع الطبيعي للغذاء.
لم تكن الخميرة البلدية مجرد وسيلة للتخمير، بل كانت نظاما غذائيا متكاملا يقوم على التخمير البطيء للدقيق والماء، مستندا إلى الخمائر البرية وبكتيريا حمض اللاكتيك. هذا التخمير الطويل، الذي تؤكده الأبحاث العلمية الحديثة، يسمح بتفكيك مكونات الحبوب المعقدة، ويحسن هضم الخبز، ويقلل من المركبات التي تعيق امتصاص المعادن، مثل حمض الفيتيك. وبهذا، يصبح الخبز الناتج أكثر قيمة غذائية مقارنة بالخبز الصناعي السريع.
من الناحية الصحية، تظهر الدراسات أن الخبز المصنوع بالخميرة البلدية قد يساهم في تحسين امتصاص الحديد والزنك والكالسيوم، كما يرتبط بمؤشر سكري أقل نسبيا، ما يجعله أكثر ملاءمة للتوازن الغذائي، خاصة في سياق تزايد الأمراض المرتبطة بأنماط التغذية الحديثة. كما أن بعض فيتامينات المجموعة “باء” تكون أكثر توفرا حيويا بفضل التخمير الطبيعي، دون أن تتحول الخميرة نفسها إلى مكمل غذائي.
على المستوى البيئي، تحمل الخميرة البلدية دلالة قوية على الاستدامة الغذائية، فهي تعتمد على مكونات محلية بسيطة، وتقلل من الحاجة إلى الإضافات الصناعية والطاقة المرتفعة المستعملة في الإنتاج السريع. كما أن الخبز المخمر طبيعيا يتميز بعمر حفظ أطول، ما يحد من الهدر الغذائي، أحد أبرز التحديات البيئية المعاصرة.
أما على المستوى الاقتصادي، فيمكن النظر إلى إحياء الخميرة البلدية كفرصة لدعم الاقتصاد المحلي وسلاسل القمح التقليدي، وتشجيع المخابز الحرفية والتعاونيات النسوية، خصوصا في العالم القروي. فالعودة إلى التخمير الطبيعي لا تعني الحنين إلى الماضي بقدر ما تعني استثمار المعرفة التقليدية في نموذج إنتاج غذائي أكثر جودة وقيمة مضافة، يستجيب في الوقت نفسه لطلب متزايد على الأغذية الصحية والطبيعية.
فاليوم، مع تصاعد الاهتمام العالمي بالأمن الغذائي وبالأنظمة الغذائية المستدامة، تعود الخميرة البلدية إلى الواجهة، لا كرمز تراثي فقط، بل كحل عملي يجمع بين الصحة، والبيئة، والاقتصاد. وهي تذكير بأن جزءا من مستقبل الغذاء قد يكون كامنا في ممارسات بسيطة عرفها المطبخ المغربي منذ عقود، قبل أن تزيحها السرعة والصناعة.



















عذراً التعليقات مغلقة