عيد الأضحى بين الشعيرة الدينية والمسؤولية الوطنية: حين يصبح الامتناع عبادة

ECO1725 مايو 2025

عيد الأضحى بين الشعيرة الدينية والمسؤولية الوطنية: حين يصبح الامتناع عبادة
إيمان بنسعيد

دعوة ملكية للامتناع عن ذبح الأضاحي تحرّك الضمير الجماعي في مواجهة أزمة بيئية واقتصادية

 

في سابقة تعكس عمق التحديات التي تواجهها المملكة المغربية، أهاب جلالة الملك محمد السادس بشعبه بعدم إقامة شعيرة الأضحى لهذه السنة، نظرا لتأثير الجفاف المتواصل على القطيع الوطني، وتراجع القدرة الشرائية لدى فئات واسعة من المواطنين. وجاءت هذه الدعوة الملكية كخطوة تضامنية تجسد أولوية حفظ المصلحة العامة، وكموقف حكيم يراعي الظرف الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

وفي هذا السياق، أصدرت السلطات المحلية، بدءا بمدينة طنجة، تعليمات صارمة بمنع كافة الأنشطة المرتبطة بعيد الأضحى، من عرض التبن والفحم وشحذ السكاكين… ويأتي هذا القرار انسجاما وتفعيلا لنداء ملكي استثنائي.

ورغم ذلك، لوحظ في الأيام الأخيرة تسجيل حالات لاقتناء أضاح مسبقا، وذبحها قبل الموعد الشرعي، أو شراء خرفان مذبوحة من بعض المجازر، ما يطرح تساؤلات حول مدى الالتزام المجتمعي بروح القرار، وحول فهمنا الحقيقي لمعنى الأضحية ومقاصدها الدينية والاجتماعية.

الأضحية في الشريعة: عبادة مؤطرة بزمان ومقاصد

من منظور شرعي، فإن الأضحية لا تعد عبادة صحيحة إلا إذا تمت في وقتها المحدد، أي من بعد صلاة العيد إلى غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، وفق ما ورد في الأحاديث الصحيحة. وكل ذبح يتم قبل هذا الوقت، فلا يدخل ضمن شعيرة الأضحية، كما قال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: ” من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النسك في شيء ” (رواه البخاري ومسلم).

وبالتالي، فإن ما نراه من ذبح استباقي أو شراء لحوم مذبوحة، ليس من باب التعبد، بل هو سلوك اجتماعي مفرغ من الروح الدينية، ويشكل مخالفة واضحة للقرار الملكي الذي استند إلى معطيات دقيقة وحرجة.

خلفيات القرار الملكي: الأرقام تنذر بالخطر

وفق تقارير رسمية وإعلامية، فقد فقد المغرب نحو 35 إلى 38% من قطيعه الوطني بسبب الجفاف الذي استمر لست سنوات متتالية، وسط تراجع حاد في الموارد العلفية وغلاء كبير في أسعارها. ومع ارتفاع أسعار الأضاحي وتزايد المضاربات في السوق، بات من الصعب على الأسر المتوسطة والفقيرة تحمّل تكاليف العيد.

فالقرار الملكي لم يكن دينيا فقط بل أخلاقيا واقتصاديا وبيئيا. وقد جاء ليحمي ما تبقى من الثروة الحيوانية، ويمنع المضاربة، ويضمن العدالة بين الفئات، ويعيد للشعيرة معناها الحقيقي كعمل تعبدي لا مظهري.

المخالفون: بين الظاهر والتأويل الخاطئ للدين

ما يقوم به بعض المواطنين من إصرار على اقتناء الأضاحي، أو ذبحها قبل وقتها، أو التحايل بشراء لحم مذبوح، لا يدخل ضمن الشعيرة بأي حال. بل هو تجاهل صريح لفهم مقاصد الدين، وتفريغ للعبادة من روحها، وتحد صريح للقرار السيادي الذي يروم المصلحة العامة.

وفي هذه المخالفة، يكرّس البعض ثقافة الاستهلاك والرياء الاجتماعي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تضافر الجهود وتقدير الظرف، خاصة أن الأضحية – وإن كانت سنة مؤكدة – فإن تركها عند الحاجة لا يعد تفريطا، بل هو وعي وامتثال للشرع الذي جعل الرحمة والتكافل من أبرز مقاصده.

عيد بلا أضحية… ولكن ليس بلا فرحة ولا عبادة

من المهم التأكيد أن قرار تعليق شعيرة ذبح الأضاحي لا يعني إلغاء عيد الأضحى نفسه، فالعيد لا يختزل في الذبح فقط، بل هو عبادة جامعة تشمل صلاة العيد، والتكبير، وصلة الرحم، وتبادل الزيارات، ونشر البهجة، والأهم: إخراج الصدقات ومواساة الفقراء والمحتاجين. فحين تتعذر الأضحية لسبب مشروع، تظل أبواب الخير مشرعة، ويظل العيد مناسبة للعبادة والتقرب إلى الله بصور متعددة.

غير أن ما يلاحظ اليوم في المغرب من تهافت هستيري على شراء الخرفان أو اللحوم المذبوحة مسبقا، لا يعكس روح هذا العيد، بل يحوله إلى مظاهر استهلاكية تُعمّق الفوارق، وتُثقل كاهل الأسر الفقيرة التي ترى الأسعار ترتفع، والحاجيات تتعذر، والقدرة الشرائية تتآكل. فبدل أن تصلهم لحوم الأضاحي على شكل صدقات، باتوا يواجهون سلوكا فردانيا يضعف التضامن ويقوي المضاربات.

إن القرار الملكي لم يلغ العيد، بل وجهنا إلى جوهره: عبادة خالصة، ورحمة اجتماعية، وعيد تضامن لا استهلاك، وعيد صدقة لا تفاخر. ولعل من أعظم ما نقدمه هذا العام هو أن نعين بعضنا، لا أن ننافس بعضنا على ما أُمرنا بتوقيفه رحمة وحكمة.

هل نستطيع تحويل الظرف إلى وعي جماعي؟

إننا اليوم مدعوون إلى أن نرتقي بفهمنا للشعائر، ونضع مصالح الأمة فوق العادات. فالامتثال للقرار الملكي ليس فقط احتراما لرمزية العيد، بل هو تعبير عن حب الوطن، والتضامن مع الضعفاء، والحفاظ على الثروة الحيوانية، والحد من نزيف بيئي واقتصادي قد يتفاقم إن استمرينا في استهلاك غير مسؤول.

فهل نستطيع السمو بإيماننا، فنرى في الامتناع طاعة، وفي التضامن عبادة، وفي التنازل عن الظاهر ربحا جماعيا لا يقدر بثمن؟

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق