سلسلة شجرة الأرز بالمغرب.. تحديات الجفاف وآفاق الاستدامة (1/5)

ECO179 يناير 2026

سلسلة شجرة الأرز بالمغرب.. تحديات الجفاف وآفاق الاستدامة (1/5)
إيمان بنسعيد

تشكل النظم البيئية الغابوية أحد المكونات الأساسية للتوازنات البيئية بالمغرب، بالنظر إلى ما تضطلع به من وظائف إيكولوجية متعددة، تشمل حماية التربة، وتنظيم الدورة المائية، والتخفيف من آثار التقلبات المناخية. غير أن هذه النظم تعرف، خلال العقود الأخيرة، ضغوطا متزايدة ناجمة عن تضافر عوامل طبيعية وبشرية، في مقدمتها تواتر فترات الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط التساقطات، وهو ما يضع الغطاء الغابوي أمام تحديات بنيوية غير مسبوقة.

وفي هذا السياق، يبرز المجال الجبلي المغربي باعتباره من أكثر المجالات هشاشة أمام التحولات المناخية، رغم ما يتميز به من غنى بيئي وتنوع إيكولوجي. فالمناطق الجبلية، التي كانت تعد تاريخيا خزانات طبيعية للماء ومجالات ملائمة لاستقرار الغطاء الغابوي، أصبحت اليوم تواجه اختلالات متزايدة في توازنها البيئي، نتيجة تراجع الموارد المائية، وتقلص الغطاء الثلجي، وتسارع وتيرة الإجهاد المائي. ويعد هذا التحول عاملا حاسما في إعادة طرح إشكالية استدامة الغابات الجبلية، ليس فقط من زاوية المناخ، بل في ارتباطها بالبنية الطبيعية العميقة للمجال.

وضمن هذا الإطار العام، تكتسي شجرة الأرز الأطلسي مكانة خاصة، باعتبارها أحد الرموز البيئية للمجال الجبلي المغربي، وعنصرا مهيكلا للمنظومات الغابوية بالأطلس المتوسط والأطلس الكبير. فقد ارتبط وجود الأرز تاريخيا بمناخ جبلي يتميز بالبرودة النسبية ووفرة التساقطات، وببنية جيولوجية قادرة على تخزين الموارد المائية وضمان استمرارية تغذية التربة. غير أن التحولات المناخية الحديثة، وما رافقها من تراجع في انتظام التساقطات وارتفاع في درجات الحرارة، أفرزت وضعية بيئية جديدة، جعلت الأرز الأطلسي أكثر عرضة للتدهور، وأثارت تساؤلات علمية حول حدود قدرته على مقاومة الجفاف.

ويلاحظ أن جزءا مهما من الأدبيات البيئية يعالج إشكالية تراجع الأرز من منظور مناخي أو بيولوجي، يركز على تأثير الجفاف أو الخصائص الفيزيولوجية للشجرة. غير أن هذا التناول، على أهميته، يظل قاصرا عن الإحاطة الكاملة بجذور الإشكالية، ما لم يستكمل بمقاربة تأخذ بعين الاعتبار البعد الجيولوجي والهيدرولوجي، باعتباره محددا بنيويا في استقرار النظم الغابوية. وفي هذا الصدد، تشكل أعمال Robert P. Ambroggi مرجعا تأسيسيا لفهم العلاقة العميقة بين الجيولوجيا، ودينامية المياه الجوفية، واستدامة الأغطية النباتية بالمجالات الجبلية وشبه الجافة بالمغرب

وانطلاقا من هذا التصور، يسعى هذا المقال إلى تحليل وضعية الأرز الأطلسي بالمغرب من خلال مقاربة بيئية مندمجة، تربط بين الخصائص البيولوجية للشجرة، والبنية الجيولوجية الحاضنة، والتحولات المناخية الراهنة، في أفق مساءلة مدى ملاءمة السياسات البيئية والغابوية المعتمدة لهذه التعقيدات الطبيعية. وتتمثل إشكالية المقال في التساؤل حول حدود مقاومة الأرز الأطلسي للجفاف، ومدى ارتباط هذه المقاومة بالأسس الجيولوجية والهيدرولوجية للمجال، وكذا في تقييم قدرة السياسة البيئية بالمغرب على إدماج هذه المعطيات العلمية في استراتيجيات التكيف مع تغير المناخ.

وللإجابة عن هذه الإشكالية، اعتمد المقال مقاربة تحليلية تركيبية، تقوم على استثمار المعطيات العلمية والهيدرولوجية، وتحليل التحولات المناخية، وربطها بالسياسات البيئية، وفق تصميم منهجي يتدرج من دراسة الخصائص البيئية للأرز الأطلسي، إلى تحليل أثر المناخ وتحولاته، وصولا إلى مساءلة السياسة البيئية في ضوء تحديات الجفاف وتغير المناخ.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق