دعم الكتاب والنشر في المغرب برسم 2025: أولوية ثقافية بقيمة هزيلة؟
رغم التراكم الكمي والرمزي لبرامج دعم النشر والكتاب في المغرب خلال العقد الأخير، لا تزال مؤشرات التمويل العمومي تطرح تساؤلات حقيقية بشأن مكانة هذا القطاع في السياسات الثقافية الوطنية. فقد أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل عن تخصيص مبلغ 10.9 مليون درهم لدعم النشر والكتاب برسم سنة 2025، موزعا على 379 مشروعا من أصل 758 طلبا تم التوصل بها، وذلك وفق ما أسفر عنه اجتماع اللجنة المختصة بدراسة طلبات الدعم الثقافي.
يبدو هذا الإعلان، في الظاهر، امتدادا للمقاربة التي تبنتها الوزارة منذ سنوات، والتي تهدف إلى تمويل المبادرات الثقافية في مجالات التأليف، المجلات الورقية والإلكترونية، المكتبات، الإقامات الأدبية، والمشاركة في المعارض الدولية. غير أن التحليل المالي لهذا الغلاف يكشف مفارقة دالة: فالدعم المعلن عنه لا يتجاوز 0.84% من الميزانية الإجمالية المخصصة لقطاع الثقافة، والتي بلغت في قانون مالية 2025 حوالي 1.301 مليار درهم، وفق ما قدمته الوزارة أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب نهاية أكتوبر 2024.
هذه النسبة الهزيلة تعيد إلى الواجهة إشكالية ترتيب الأولويات داخل السياسات الثقافية. فإذا كان الكتاب، كمجال إنتاج وتداول واستهلاك، يشكل الرافعة التقليدية لأي دينامية ثقافية مستدامة، فإن حجم الموارد المرصودة له لا يعكس هذا الدور المحوري. بل يضعه في مرتبة متأخرة مقارنة بمشاريع البنية التحتية أو التظاهرات الفنية، التي تحظى عادة بغلاف مالي أكبر، وإن كان أثرها المجتمعي أقل استدامة من فعل القراءة والتأليف.
في تفاصيل التوزيع القطاعي، استفاد مجال نشر الكتب الورقية من دعم قدره 2.32 مليون درهم موزع على 120 مشروعا، من أصل 386 مقترحا. فيما تلقت المجلات الثقافية الورقية دعما بقيمة 971 ألف درهم استفادت منه 47 مجلة من أصل 68. وعلى صعيد النشر الإلكتروني، لم يتم قبول سوى ثلاثة مشاريع من أصل ستة، بمبلغ إجمالي بلغ 105 آلاف درهم، وهو ما يؤكد استمرار الفجوة الرقمية في التصور المؤسساتي لدعم الثقافة الرقمية.
أما على المستوى الدولي، فقد تم تخصيص 4.22 مليون درهم لدعم مشاركة الفاعلين المغاربة في المعارض الدولية للكتاب، مما يعكس اهتماما بتثبيت الحضور الثقافي المغربي في المحافل الخارجية، لكنه يظل رهينا بمدى وجود إنتاج ثقافي أصيل وقابل للتداول، وهو ما يرتبط عضويا بمستوى الدعم المحلي الموجه لعملية النشر في مراحلها الأولى.
كما استفادت 71 مكتبة من أصل 115 مشروعا من دعم مالي بلغ 3.19 مليون درهم، في خطوة تعكس وعيا بأهمية البنية التحتية في توسيع دائرة الوصول إلى الكتاب. غير أن السؤال يبقى مطروحا بشأن النجاعة الفعلية لهذه المكتبات في غياب برامج متكاملة للقراءة العمومية، وربطها بمنظومات التربية والتكوين والبحث العلمي.
من جهة أخرى، سجلت بعض المبادرات الرمزية حضورها، مثل دعم خمسة مشاريع تستهدف الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية بمبلغ 71 ألف درهم، وتمويل مشروعين من أصل تسعة في إطار الإقامات الأدبية بمبلغ 20 ألف درهم، وهي أرقام لا تخلو من دلالة على محدودية الطموح المؤسساتي تجاه تنويع الفعل الثقافي وتعميمه.
إن الخلاصة التي يفرضها هذا المعطى المالي لا تتعلق فقط بمحدودية الموارد، بل بطبيعة المقاربة التي لا تزال تنظر إلى الكتاب كمنتوج هامشي ثقافيا واقتصاديا، وليس كأداة لبناء الرأسمال البشري والمعرفي. فالدعم العمومي، وإن كان ضروريا، يظل غير كاف ما لم يكن جزءا من استراتيجية متكاملة تشمل التكوين، النشر، التوزيع، القراءة، وتثمين حقوق المؤلفين والناشرين.
وفي ظل هذا الوضع، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من سياسة دعم ظرفي إلى سياسة ثقافية عمومية مستدامة، ترى في الكتاب أولوية استراتيجية، وليس مجرد ملف فرعي في ميزانية قطاع متعدد الاختصاصات.
وتزداد هذه المفارقة وضوحا حين نضعها في سياق ضعف الإقبال على القراءة لدى فئات واسعة من المجتمع المغربي، حيث تشير عدة دراسات وتقارير رسمية وأكاديمية إلى أن معدلات القراءة الحرة خارج الإطار المدرسي تبقى متدنية للغاية، سواء من حيث الوقت المخصص لها أو عدد الكتب المقروءة سنويا. ومرد هذا الضعف إلى أسباب مركبة، منها ما هو اقتصادي واجتماعي، كضعف القدرة الشرائية وغياب فضاءات القراءة العمومية، ومنها ما هو بنيوي وتربوي، مثل غياب ثقافة القراءة في المناهج التعليمية وعدم إدماجها بشكل فعال في البرامج التربوية والوسائط الإعلامية. إضافة لغياب سياسات تحفيزية ممنهجة تشجع على القراءة المستدامة، سواء عبر دعم مكتبات الأحياء، أو تطوير منصات رقمية حاملة لمحتوى معرفي باللغة العربية، أو إشراك الأسر والمؤسسات في ترسيخ عادات القراءة.
يبدو واضحا أن الميزانية المخصصة للكتاب، وما يرتبط به من أنشطة النشر والتوزيع والتحفيز على القراءة، تظل غير كافية لإحداث تحول نوعي في علاقة المواطن المغربي بالقراءة، وهو ما يعمق من فجوة الثقافة ويقوض فرص بناء مجتمع معرفي متماسك وقادر على مواكبة التحولات الكبرى.




















عذراً التعليقات مغلقة