اليوم العالمي للمناخ: المغرب في قلب التحديات البيئية والتزامات المستقبل

ECO1715 ديسمبر 2025

اليوم العالمي للمناخ: المغرب في قلب التحديات البيئية والتزامات المستقبل
د. يوسف الكمري، أستاذ باحث في علوم البيئة واستشاري في قضايا المرأة والتنمية المستدامة

يصادف الثامن من دجنبر من كل سنة اليوم العالمي للمناخ، مناسبة دولية لتسليط الضوء على التغيرات المناخية وضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وطموحة. هذه السنة، تتزامن الذكرى مع أسابيع قليلة بعد انعقاد مؤتمر “كوب 30” في بيليم بالبرازيل، لتؤكد مرة أخرى على الحاجة الملحة لمواجهة آثار المناخ المتسارعة، خاصة على الدول النامية.

المغرب، الذي يواجه زيادة متكررة في موجات الحرارة، ونقصا في الأمطار، وفترات جفاف وفيضانات متتابعة، يجعل الأمن الغذائي والمائي والمجتمعي تحت الضغط. الانحراف في معدل التساقطات وارتفاع درجات الحرارة أصبح له أثر مباشر على النظم البيئية والزراعة، وهو ما دفع المملكة إلى اعتماد استراتيجية وطنية شاملة للتكيف والتخفيف، تتماشى مع أهداف التنمية المستدامة.

منذ التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة للتغير المناخي سنة 1992، لعب المغرب دورا رائدا على المستوى العربي والإفريقي، إذ استضاف مؤتمر “COP7” بمراكش سنة 2001، وقدّم التقرير الوطني الأول، وعمل على تفعيل بروتوكول كيوطو. واليوم، يواصل المغرب تعزيز التزاماته ضمن اتفاقية باريس، من خلال تقديم مساهمته المحددة وطنيًا الثالثة للفترة 2026-2035، والتي تهدف إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 53%، بدعم وطني ودولي، وتنفيذ أكثر من 190 مشروعًا بين التخفيف والتكيف.

على المستوى الوطني، أعد المغرب مخططات شاملة للتكيف وخفض الانبعاثات، تشمل المخطط الوطني للمناخ 2020-2030، المخطط الوطني للتكيف، والمخططات المناخية الجهوية، لتكون المملكة مستعدة لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة المتوقعة بحلول 2050 وانخفاض التساقطات المطرية.

كما يبرز المغرب كمثال عالمي في الحكامة المناخية، من خلال إرساء اللجنة الوطنية لتغير المناخ والتنوع البيولوجي، وتطوير مشروع قانون المناخ، وتقديم تقارير وطنية منتظمة حول الأداء المناخي. هذه الجهود جعلت المملكة تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في مؤشر الأداء المناخي لسنة 2026، مؤكدًا موقعها كقوة إقليمية في مجال حماية البيئة.

كما يشهد للمغرب الكفاءة فيما يخص الحكامة المناخية حيث تم إضفاء الطابع المؤسساتي على اللجنة الوطنية لتغير المناخ والتنوع البيولوجي (CNCCDB)، وإقرار مشروع قانون بشأن المناخ. يهدف إلى وضع المبادئ الأساسية والأهداف الوطنية وإطار حكامة متكامل وشامل لعمل مؤسسات الدولة فيما يخص مكافحة تغير المناخ.

وفي الأخير وعلاقة بمؤشر الأداء المناخي، فقد عزز المغرب مكانته كرائد عالمي في مجال الأداء المناخي، حيث احتل مرة أخرى المرتبة الثالثة في مؤشر الأداء المناخي برسم سنة 2026 حيث أكد التقرير الذي تم نشره مؤخرًا في المؤتمر الثلاثين للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP30) وضع المغرب ضمن الدول الخمس التي لديها سياسة مناخية قوية، إلى جانب الدنمارك والبرازيل والمملكة المتحدة والصين.

وبالفعل، يواصل المغرب مسيرته المتميزة في مجال الأداء المناخي ويشكل قوة إقليمية لا غنى عنها، سواء لالتزامه بالتنمية المستدامة أو لجهوده في إطار المجهود العالمي لمكافحة تغير المناخ. وتجدر الإشارة إلى أن تصنيف مؤشر الأداء المناخي (IPCC) 2026 تم وضعه بحيث لا يتم منح المراكز الثلاثة الأولى لأي بلد، نظراً لأن هذه المستويات لم يتم الوصول إليها بعد لتأكيد التوافق التام مع أهداف اتفاقية باريس. كما يعتبر مؤشر CCPI أداة مستقلة تحلل الأداء المناخي لـ 63 دولة، بما في ذلك الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (بشكل فردي وجماعي). ويستند إلى أربعة معايير رئيسية وهي انبعاثات الغازات الدفيئة، والطاقة المتجددة، والنجاعة الطاقية والسياسة المناخية.

في هذا اليوم العالمي للمناخ، ندعو الجميع كمؤسسات حكومية وقطاع خاص والمجتمع المدني إلى بذل المزيد من الجهود الفعلية والمشاركة في الحد من تداعيات التغيرات المناخية، فالتصدي للتغير المناخي مسؤولية مشتركة، وبناء مستقبل أكثر أمانًا يبدأ بتبني مقاربات تشاركية ومسؤولة. حماية المناخ اليوم لا يمكن اعتبارها خيارًا، بل ضرورة لضمان غدٍ أفضل للأجيال القادمة.

اليوم العالمي للمناخ هو تذكير لنا جميعا: الحكومات، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، أن مواجهة تغير المناخ مسؤولية مشتركة. حماية المناخ ليست خيارا، بل ضرورة لضمان مستقبل مستدام وآمن للأجيال القادمة. كل خطوة صغيرة اليوم، تصنع فرقا كبيرا غدا.

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق