قبل أسابيع قليلة من انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ، كوب30، المقرر ما بين 10 و21 نونبر 2025 بمدينة بيليم في البرازيل، خرج مؤسس مايكروسوفت، بيل غيتس، بدعوة لافتة حركت الجدل في الأوساط البيئية والاقتصادية. ففي تدوينة نشرها يوم أمس، دعا غيتس إلى إعادة صياغة الأولويات المناخية العالمية، والتركيز على التكيف مع التغير المناخي وتحسين الظروف الصحية والاجتماعية، بدل الانشغال المفرط بخفض درجات الحرارة وحدها.
في مدونته الشخصية، كتب بيل غيتس أن العالم أنفق العقد الماضي في محاولة بلوغ أهداف اتفاقية باريس، التي تسعى إلى الحد من الاحترار العالمي عند أقل من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. غير أن هذا الهدف، حسب قوله، “يبقى بعيد المنال” بالنظر إلى بطء التحولات الطاقية وتفاوت القدرات بين الدول.
وأضاف أن تغير المناخ “خطير لكنه ليس نهاية الحضارة”، مشيرا إلى أن التركيز يجب أن ينتقل من المقاييس التقنية إلى مؤشرات ملموسة تمس حياة الناس، مثل الصحة، الأمن الغذائي، والولوج إلى الطاقة.
ويرى غيتس أن مواجهة المناخ لا تكون فقط بتقليل الانبعاثات، بل بتحسين قدرة الإنسان على العيش في ظروف متغيرة، عبر دعم الزراعة المقاومة للجفاف، والطاقات النظيفة الميسرة للفقراء، وأنظمة الرعاية الصحية القادرة على التصدي للأمراض المرتبطة بالمناخ.
ويعتبر غيتس أن التكيف الإنساني هو المعيار الواقعي لقياس التقدم، وأن مؤتمرات المناخ المقبلة، بدءا من كوب30، ينبغي أن تدمج هذا البعد ضمن التزاماتها الدولية الجديدة.
تمثل هاته الدعوة تحولا في التفكير المناخي العالمي، إذ تعيد النقاش إلى البعد الإنساني بعد سنوات من هيمنة المقاربة التقنية القائمة على “خفض الانبعاثات بأي ثمن”. فبينما يقر غيتس بخطورة الأزمة المناخية، فإنه ينتقد ما يسميه “التركيز الأحادي” على الحرارة، ويرى أن الجدوى تكمن في بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود، لا في انتظار معجزات تكنولوجية أو تفاهمات دولية طويلة الأمد.
غير أن هذا الطرح يثير أيضا مخاوف مشروعة؛ فالبعض يرى فيه تراجعا ضمنيا عن الطموح البيئي العالمي، أو مبررا لتقليص التزامات الدول الصناعية بخفض الانبعاثات. لكنه من جهة أخرى يفتح الباب أمام سياسات أكثر عدلا وواقعية، توازن بين البيئة والتنمية البشرية.
بالنسبة للمغرب، الذي يعيش تحت ضغط الجفاف وتراجع الموارد المائية والفلاحية، يمكن لهذا التوجه أن يشكل فرصة لإعادة ترتيب أولويات السياسة المناخية الوطنية؛ فبدلا من الاقتصار على مشاريع تقنية مكلفة، يمكن تعزيز الاستثمارات في الصحة في القرى، والزراعة الذكية، والطاقة المتجددة اللامركزية، بشكل يجعل العدالة المناخية جزءا من العدالة الاجتماعية. كما يمكن للمغرب أن يستفيد من الزخم الذي تحدثه أفكار غيتس لدعم الشراكات الدولية حول تمويل التكيف، خصوصا في المجالات التي تمس حياة المواطنين مباشرة.
تطرح مداخلة بيل غيتس، قبيل مؤتمر كوب30، سؤالا عميقا حول أولويات العمل المناخي في العالم النامي: هل ينبغي الاستمرار في مطاردة هدف حراري صعب المنال، أم تحويل الجهود نحو تعزيز قدرة الإنسان على التكيف والعيش الكريم؟
بالنسبة للمغرب، فإن هذا النقاش يكتسي بعدا عمليا لا نظريا فقط، لأن التغير المناخي بات يرتبط مباشرة بالأمن المائي والغذائي والصحي، وهي مجالات تشكل جوهر السياسات العمومية. وإذا أحسن المغرب استثمار هذا التحول المفاهيمي في كوب30، فبإمكانه أن يقدم نفسه كنموذج لدولة إفريقية متوسطة الدخل تجمع بين الطموح البيئي والعدالة الاجتماعية، وأن يجعل من “التكيف الإنساني” عنوانا لمقاربته الوطنية في مواجهة المناخ المتغير.






















عذراً التعليقات مغلقة