يتصدر مفهوما الحياد الكربوني Carbon neutrality والصفر الكربوني Carbon zero النقاش العالمي حول سبل الحد من تغير المناخ وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. لكن كثيرا ما يتم الخلط بينهما.
فالحياد الكربوني يعني التوازن بين الانبعاثات الكربونية التي يتم إنتاجها وتلك التي تتم إزالتها من الجو أو يتم تعويضها من خلال أنشطة مثل التشجير أو دعم مشاريع الطاقة المتجددة. بمعنى أن الانبعاثات ما زالت تحدث، لكنها تقابل بإجراءات موازنة.
في المقابل، يشير الصفر الكربوني إلى القضاء الكامل على الانبعاثات من المصدر، أي أن الأنشطة لا تنتج كربونا أصلا، وهو ما يتطلب تقنيات نظيفة وأنظمة إنتاج مستدامة لا تعتمد على الوقود الأحفوري.
يعتبر الحياد الكربوني حلا انتقاليا، بينما يمثل الصفر الكربوني هدفا طويل الأمد يتطلب تغييرات جذرية.
أمثلة من دول وشركات حول العالم
تسعى العديد من الدول إلى تحقيق الحياد الكربوني، مثل الصين التي التزمت به في أفق 2060 والهند بحلول 2070، وذلك من خلال تعويض الانبعاثات لا القضاء عليها. أما بوتان Bhoutan، فهي من الدول النادرة التي تنتج انبعاثات أقل مما تمتصه غاباتها، مما يجعلها فعليا في وضع الصفر الكربوني. وفي أوروبا، تقترب أيسلندا من الصفر الكربوني في قطاع الكهرباء بفضل اعتمادها على الطاقات الحرارية والمائية. على مستوى الشركات، تمثل جوجل ومايكروسوفت نموذجين في الحياد الكربوني من خلال الاستثمار في الطاقة المتجددة وتعويض الكربون، بينما تسعى تيسلا وشركة اورستيد Ørsted إلى بلوغ الصفر الكربوني من خلال تقنيات إنتاج لا تولد انبعاثات كربونية أصلا.
المغرب بين الحياد الكربوني والصفر الكربوني
أعلن المغرب التزامه بتحقيق الحياد الكربوني بحلول سنة 2050، ضمن الاستراتيجية الوطنية للتنمية منخفضة الكربون. وقد أحرز تقدما ملموسا في قطاع الطاقات المتجددة، حيث يمثل هذا القطاع اليوم أكثر من 37% من المزيج الطاقي الوطني. تشمل أبرز المشاريع محطة نور ورزازات للطاقة الشمسية، ومحطات الرياح في طرفاية وطنجة. ويسير قطاع الكهرباء في اتجاه الصفر الكربوني تدريجيا، بشرط التوقف التام عن استخدام الفحم، وتعزيز الربط الطاقي النظيف. غير أن التحديات تبقى قائمة في قطاعات النقل والصناعة، التي تعتمد بشدة على الوقود الأحفوري، وتحتاج إلى تحول هيكلي وتقني ومالي كبير لتحقيق الصفر الكربوني الكامل.
المكتب الشريف للفوسفاط: نموذج مغربي للتحول المناخي
يعتبر المكتب الشريف للفوسفاط أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين، على المستوى الوطني، الذين انخرطوا بفعالية في التحول البيئي. فقد أطلق مجموعة من المبادرات التي تهدف إلى تقليص انبعاثات الكربون عبر التحول إلى استخدام الطاقة الشمسية والريحية في وحدات الإنتاج، وتعويض النقل بالشاحنات باستخدام القطارات الكهربائية. كما شرع في تطوير مشاريع لإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء، بالإضافة إلى تقنيات إعادة استخدام المياه الصناعية. هذه الإجراءات تجعل مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط أقرب ما تكون إلى نموذج الصفر الكربوني القطاعي، دون الاكتفاء فقط بالتعويض البيئي عبر شراء أرصدة الكربون. إلى جانب ذلك، تساهم شركات مغربية أخرى، مثل فيوليا المغرب، في إدماج الحلول البيئية في تدبير النفايات والماء والطاقة على المستوى الحضري، تعزيزا لدور القطاع الخاص في المسار الوطني للحياد الكربوني.
الإمارات ومسار الطاقة النظيفة
تعتبر الإمارات العربية المتحدة أول دولة خليجية تعلن رسميا التزامها بالوصول إلى الحياد الكربوني في أفق 2050. وقد ضخت استثمارات ضخمة في الطاقات النظيفة، أبرزها مشروع براكة للطاقة النووية ومجمع محمد بن راشد للطاقة الشمسية، وهو من أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في العالم.
وتعمل الإمارات كذلك على تطوير قطاع الهيدروجين الأخضر، وتقنيات التقاط الكربون، وإطلاق أسواق للكربون لتعويض الانبعاثات. غير أن الاعتماد الكبير على صادرات النفط والغاز لا يزال يُشكل عقبة أمام تحقيق الصفر الكربوني على مستوى الدولة ككل، إذ يصعب التخلص من الانبعاثات في قطاعي الصناعة والبتروكيماويات، مما يجعل التوجه نحو الصفر الكربوني أمرا ممكنا فقط في قطاعات محددة مثل الكهرباء والمباني النموذجية.
الصفر الكربوني القطاعي
رغم أن الصفر الكربوني يمثل هدفا طويل الأمد يتطلب تقنيات متقدمة وتكاليف مالية عالية، إلا أنه يبقى ممكنا في قطاعات معينة مثل إنتاج الكهرباء من مصادر نظيفة، أو وسائل النقل الكهربائية، أو بعض المنشآت الصناعية ذات الكفاءة العالية.
ففي المغرب، قد يتحقق الصفر الكربوني جزئيا في قطاع الكهرباء إذا استكملت مشاريع التخلي عن الفحم وتعزيز الطاقات المتجددة. في المقابل، تبقى باقي القطاعات في حاجة إلى التحول الهيكلي والتكنولوجي.
وفي الإمارات، يمكن أن يتحقق الصفر الكربوني في إنتاج الطاقة وبعض المنشآت الحضرية، لكن الهيكل الاقتصادي القائم على الوقود الأحفوري يحد من قدرة الدولة على التقدم نحو إزالة الانبعاثات بالكامل.
يتكامل مفهوما الحياد الكربوني والصفر الكربوني في مسار التحول المناخي، إذ يشكل الحياد الكربوني خيارا واقعيا وانتقاليا للدول والشركات التي لا تزال مرتبطة بأنشطة ذات انبعاثات، فيما يمثل الصفر الكربوني الرؤية المثلى لنظام اقتصادي خال من الانبعاثات.
يقدم المغرب والإمارات نموذجين إقليميين في هذا المجال، كل منهما وفق خصوصياته الاقتصادية والسياسية والطاقية. وإذا كان المغرب يراهن على تعزيز إنتاج الطاقة النظيفة والتقنيات الصناعية منخفضة الكربون، فإن الإمارات تجمع بين الطموح التقني وأدوات السوق، مع تحديات مرتبطة بالبنية الريعية للاقتصاد. وفي كلتا الحالتين، يشكل إشراك القطاع الخاص، وتحفيز الابتكار، وتوفير التمويل الأخضر عوامل حاسمة لتحقيق تحول بيئي فعلي ومستدام.




















عذراً التعليقات مغلقة