التربية البيئية… مفتاح العدالة المناخية

ECO1719 يوليو 2025

التربية البيئية… مفتاح العدالة المناخية
أميمة أخي- باحثة في القانون،التنمية المستدامة و السياسات البيئية

أصبح النقاش حول التغيرات المناخية في السنوات الأخيرة يحتل صدارة الاهتمامات العالمية، ليس فقط من زاوية الكوارث البيئية أو التحولات المناخية الكبرى، بل أيضا لما بات لهذا الملف من صلة عضوية بمجال حقوق الإنسان والتنمية المستدامة.

ففي الوقت الذي يتسارع فيه استنزاف الموارد الطبيعية وتزداد حدة الظواهر المناخية المتطرفة، تتجه الأنظار نحو منظومات التربية والتكوين كفضاءات استراتيجية لترسيخ ثقافة بيئية حقوقية تمكن الناشئة من امتلاك الوعي والقدرة على حماية بيئتهم وضمان حقوقهم في العيش في بيئة سليمة.

في هذا الإطار، يطرح دور المدرسة العمومية، وخاصة التعليم الابتدائي، كمدخل أساسي للتربية على التنمية المستدامة، باعتباره فضاء لتلقين القيم الحقوقية البيئية ولغرس الوعي بمخاطر التغيرات المناخية، وتزداد أهمية هذا الدور بالنظر إلى التزامات المغرب الوطنية والدولية في مجال حماية البيئة ومكافحة آثار التغيرات المناخية، فضلا عن المقتضيات الدستورية التي تجعل الحق في بيئة سليمة جزءا من الحقوق الأساسية للمواطنين.

  1. إشكالية العلاقة بين التربية البيئية وحقوق الإنسان في ظل التغيرات المناخية

تشكل التغيرات المناخية اليوم تهديدا مباشرا لممارسة عدد من الحقوق الأساسية للإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة، الحق في الصحة، الحق في الماء، الحق في الغذاء، والحق في بيئة سليمة ومتوازنة. فقد أصبح الإجماع الدولي اليوم يعتبر أن التغير المناخي لم يعد فقط مسألة بيئية تقنية مرتبطة بالطبيعة، بل قضية حقوقية بامتياز، تهدد بشكل غير متكافئ الفئات الأكثر هشاشة اجتماعيا واقتصاديا، وعلى رأسها النساء، الأطفال، سكان المناطق الهشة، والفئات الفقيرة في الدول النامية.

وقد أبرزت العديد من الدراسات، والتقارير الأممية، أن الآثار السلبية للتغيرات المناخية تفاقم من صعوبة الولوج إلى الحقوق الأساسية، سواء من خلال تفاقم أزمات الماء، أو تراجع الإنتاج الفلاحي، أو انتشار الأمراض المرتبطة بالتلوث والكوارث الطبيعية، أو حتى من خلال تفاقم الهجرة المناخية، وما يترتب عنها من تحديات اجتماعية وقانونية[1].

وتظهر تجارب الدول التي تبنت مقاربة حقوقية في التصدي للتغيرات المناخية، أن هناك ترابطا عضويا بين حماية البيئة وضمان كرامة الإنسان، لأن المساس بالحق في بيئة سليمة يفضي لا محالة إلى المساس بباقي الحقوق الأخرى التي تعتبر ضرورية للحياة الكريمة، وعلى رأسها الحق في الصحة، والغذاء، والسكن، والماء، والحماية الاجتماعية .[2] ولهذا، اتجه الخطاب الحقوقي الدولي إلى التأكيد على أن العدالة المناخية لا يمكن أن تتحقق بدون إدماج بعد حقوق الإنسان البيئية في السياسات العمومية.

في هذا الإطار، تزداد أهمية الرهان على المدرسة باعتبارها الفضاء الأول لبناء الوعي، وترسيخ القيم الحقوقية والبيئية في نفوس الناشئة. فالتربية البيئية لم تعد مجرد مضامين إضافية في المناهج الدراسية، بل أضحت ضرورة لبناء مواطن واعٍ بعلاقته بالبيئة، ومدرك لدوره في حمايتها، من خلال تبني سلوكيات مسؤولة تضمن التوازن بين حاجات الإنسان وحاجات الطبيعة، انسجاما مع فلسفة التنمية المستدامة[3]، وإدماج البعد البيئي ضمن حقوق الإنسان، وربطه بالتربية منذ الطفولة، يمثل أحد أهم الرهانات التي توصي بها تقارير اليونسكو، التي أكدت مرارا أن تحقيق التنمية المستدامة يمر عبر تربية الأجيال الصاعدة على احترام البيئة، وفهم علاقتها بحقوق الإنسان، ووعيهم بضرورة حماية الموارد الطبيعية ضمانا لحقوق الأجيال القادمة[4].

وفي السياق المغربي، يلاحظ أن الدستور الجديد لسنة 2011، قد نص صراحة على الحق في بيئة سليمة (الفصل 31) باعتباره حقا من الحقوق الأساسية، مما يحمل المدرسة المغربية مسؤولية ترسيخ هذا الحق عبر التربية على القيم البيئية في ارتباطها بحقوق الإنسان، وتكوين أجيال قادرة على مواجهة التغيرات المناخية بمنطق المواطنة البيئية.

  1. المدرسة الابتدائية كفاعل أساسي في التربية البيئية والتنمية المستدامة

تكتسي المدرسة الابتدائية في المغرب أهمية بالغة في هذا الورش، لكونها تمثل القاعدة الأساسية التي تتشكل فيها شخصية المتعلم وقيمه وسلوكاته تجاه محيطه.

وتعتبر التربية على التنمية المستدامة أحد الرهانات الأساسية التي حملتها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015-2030)، بالإضافة إلى التزامات المغرب ضمن الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة الأممية SDGs المتعلق بجودة التعليم، الذي ينص صراحة على إدماج التربية البيئية في مختلف المراحل الدراسية.

غير أن الملاحظة الميدانية تكشف أن هذا الحضور في المقررات الدراسية لا يزال في كثير من الأحيان محصورا في مقاربات نظرية، ولا يواكب التحديات الحقيقية التي تواجهها البيئة المحلية أو الوطنية، وهو ما يدعو إلى إعادة التفكير في مناهج التربية البيئية، وجعلها أكثر التصاقا بالواقع المحلي وبالتغيرات المناخية التي يعيشها المغرب، خاصة في ظل تفاقم أزمات الماء، التصحر، تدهور الغطاء الغابوي، والنفايات البلاستيكية.

وتظهر الممارسات التربوية الميدانية داخل عدد من المدارس الابتدائية بالمغرب أن الجهود المبذولة في التربية البيئية تظل في الغالب مبادرات معزولة أو مناسباتية (أيام بيئية، ورشات حول إعادة التدوير، زيارات لمحميات طبيعية…). وفي غياب رؤية تربوية شاملة ومندمجة، تظل هذه الأنشطة عاجزة عن تحقيق الأثر المطلوب في سلوك التلاميذ ومحيطهم الاجتماعي.

إن تثمين هذه المبادرات، وربطها بالبعد الحقوقي للبيئة، يستوجب تعزيز تكوين الأساتذة في قضايا التغيرات المناخية، وتقوية الشراكات بين المؤسسات التعليمية والفاعلين المحليين من جمعيات ومؤسسات تهتم بالبيئة، وكذا إدماج البعد البيئي الحقوقي ضمن مشروع المؤسسة كآلية لتفعيل التنمية المستدامة على مستوى المدرسة.

  1. التربية البيئية بين الحقوق والواجبات

إن بناء وعي بيئي راسخ لدى الناشئة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن ربط التربية البيئية بثقافة حقوق الإنسان، باعتبار أن البيئة لم تعد فقط إطارا ماديا للحياة، بل أصبحت عنصرا محوريا في تمكين الأفراد من ممارسة باقي حقوقهم المدنية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية. ويقرّ الفقه الحقوقي الحديث بأن الحق في بيئة سليمة أضحى حقا جماعيا وفرديا في الآن ذاته، ترتبط حمايته ارتباطا وثيقا بكافة الحقوق الأساسية الأخرى، وهو ما كرسته مختلف المواثيق الدولية والإعلانات الأممية ذات الصلة بالبيئة والتنمية المستدامة[5].

إن تقديم البيئة في بعدها الحقوقي، لا بوصفها مسألة تقنية أو بيئية صرفة، يمنح المدرسة الشرعية الكاملة للانخراط في هذا الورش التربوي بُعدا مؤسساتيا، يتجاوز نطاق المبادرات الظرفية أو الاختيارية. فالتربية البيئية لا يمكن أن تظل مجرد خيار مرتبط بالمناسبات أو الأنشطة العرضية، بل يجب أن تتحول إلى التزام تربوي مؤطر بمنظومة حقوقية واضحة، تجعل من التربية على البيئة مدخلا لبناء ثقافة حقوقية شاملة لدى الناشئة[6].

وقد أكدت اليونسكو في أدبياتها حول التعليم من أجل التنمية المستدامة، أن المدرسة تلعب دورا رئيسيا في “تشكيل الأفراد القادرين على اتخاذ قرارات واعية ومسؤولة بيئيا، وتعزيز الوعي بقيم حقوق الإنسان البيئية، والعمل من أجل مستقبل مستدام”[7]. لذلك، فإن المدرسة الابتدائية، بصفتها الحاضن الأول للقيم التربوية، تعد فضاء نموذجيا لبناء هذا الوعي، خاصة إذا تم إدماج مقاربات بيداغوجية حديثة تجعل الطفل محور العملية التعليمية، وتدعوه إلى الملاحظة، البحث، المشروع، العمل الميداني، والانخراط في الحياة المجتمعية البيئية.

كما أثبتت التجارب التربوية الناجحة في الدول الرائدة في هذا المجال أن العمل الميداني والمقاربة التشاركية من أنجع الوسائل لترسيخ ثقافة بيئية قائمة على القيم الحقوقية لدى الأطفال، لأنها تسمح لهم بفهم الروابط بين أفعالهم والآثار البيئية، وتؤهلهم لتحمل مسؤوليتهم كمواطنين مستقبليين مسؤولين[8].

لعل إدماج هذه الأبعاد داخل المؤسسات التعليمية سيساهم، بما لا يدع مجالا للشك، في إرساء ثقافة التعايش المستدام مع الطبيعة والمسؤولية الجماعية تجاه البيئة، وهو ما يتقاطع مع فلسفة التنمية المستدامة التي تجعل الإنسان في صلب كل مجهود تنموي، والبيئة كشرط أساسي لاستمرار حياته وكرامته[9].

خاتمة:

يعد الاستثمار في التربية البيئية داخل المدرسة الابتدائية خيارا استراتيجيا لتحقيق العدالة المناخية وضمان حقوق الإنسان البيئية للأجيال القادمة. ومن شأن تعزيز هذا التوجه أن يمكن المغرب من مأسسة التربية على التنمية المستدامة، ليس فقط بوصفها التزاما تربويا، بل باعتبارها عنصرا مندمجا في السياسات العمومية لمواجهة التغيرات المناخية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

إن نجاح هذا المشروع رهين بقدرة المدرسة المغربية على الانفتاح على محيطها، والتفاعل مع السياقات البيئية والحقوقية المستجدة، واستثمار موقعها في إعادة تشكيل الوعي البيئي لأجيال الغد.

————————————————

[1] الأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان، تقرير المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان والبيئة، A/HRC/37/59، نيويورك، 2018، ص. 7-10.

[2] المجلس الأوروبي، “حقوق الإنسان والبيئة: مبادئ توجيهية للممارسات الجيدة”، ستراسبورغ، 2012، ص. 5-6.

[3] – Lucie Sauvé, Éducation relative à l’environnement : Regards, fondements et pratiques, Montréal, Éditions MultiMondes, 2005, pp. 45-67.

[4] UNESCO, Education for Sustainable Development Goals: Learning Objectives, Paris, 2017, p. 18-20.

[5] الأمم المتحدة، إعلان ستوكهولم بشأن البيئة والتنمية، 1972، المبدأ 1 والمبدأ 2.

[6] المجلس الأوروبي، “حقوق الإنسان والبيئة: مبادئ توجيهية للممارسات الجيدة”، ستراسبورغ، 2012، ص. 7-8.

[7] UNESCO, Education for Sustainable Development Goals: Learning Objectives, Paris, 2017, p. 16-17.

[8] Lucie Sauvé, Éducation relative à l’environnement : Regards, fondements et pratiques, Montréal, Éditions MultiMondes, 2005, pp. 54-58.

[9] Brundtland Commission, Our Common Future, Oxford University Press, 1987, pp. 43-45.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق